الأحد، 28 يوليو 2024

 حلقة 5

 تعرف الشيخ رفاعة على المسيو جومار ومن خلاله تعرف على عدد من العلماء منهم دي ساسي  فمن هو؟؟؟
 ( المستشرق البارون دي ساسي
 
Antoine Isaac Silvestre de Sacy " 1758/ 1836م"‏ الذي يلقّبه د. عبد الرحمن بدوي بـ "شيخ المستشرقين الفرنسيين" ويُعتبر استاذاً للأساتذة في اللغات الشرقية ولا سيما اللغة العربية و اليونانية واللاتينية و العبرية كما أتقن عدة لغات أوروبية ) و يُعتبر سلفستر دي ساسي عند كثيرين المؤسس «العلمي» للاستشراق
 ويقول "منذ أن التقيت برفاعة الطهطاوي القادم من مصر، توسمت فيه موهبة خاصة في تعلم اللغات والعلوم وقد أفادنا بمعرفته عن الثقافة العربية"
بعد أن درس دو ساسي اللغات السامية على التوالي، بدأ يصنع اسمًا كمستشرق، وبين عامي 1787 و1791م فك رموز النقوش البهلوية للملوك الساسانيين
أصبح أستاذ اللغة العربية الأول والوحيد عام 1795م في المدرسة المنشأة حديثًا للغات الشرقية الحية وترأس المدرسة
وتحلق حوله المستشرقون الألمان  لمنافسة المؤسسات الجامعية البريطانية العريقة في الصراع على الشرق من خلال إنتاج خبراء بلغاته وشعوبه وتاريخه وجغرافيته ، وكان متضلعاً باللغة العربية وأول من نادى بتعملها بل ووجوب تعلمها بالنسبة للمستشرقين
.
أصدر الكتب المدرسية العربية التالية :
القواعد العربية ، مقتطفات من كُتاب عرب مختلفين، نثرًا وشعرًا، مع ترجمة وملاحظات فرنسية عام 1806 و
مختارات نحوية عام 1829م
كان سيلفستر دي ساسي أول فرنسي يحاول قراءة حجر رشيد ، و
لقد أحرز بعض التقدم في تحديد الأسماء الصحيحة في النقش الديموطيقي ، كان ساسي أيضًا مدرسًا عام (1807 – 1809م) لجان فرانسوا شامبليون، و شجعه في أبحاثه
ومن أعماله الأخرى طباعته لكتاب كليلة ودمنة وترجمته (1816م)، و مقامات الحريري وترجمتها (1822م)، مع تعليق عربي مختار، وألفية بن مالك (1833م) وترجمتها و حياة المتصوفة
 
كما قام بترجمة كتاب «حياة الحيوان الكبرى» وهو أشهر مؤلفات كمال الدين الدميري، إلى اللغة الفرنسية
ساهم بمذكرات عن أسفار موسى الخمسة العربية السامرية
(Mém. Acad. des Inscr. vol. xlix)
ونشرترجمة الإنجيل إلى السريانية والعربية لجمعية الكتاب المقدس البريطانية  وله العديد من الكتب الأخرى
ومن المؤكد أن الجغرافي جومار ودي ساسي هما اللذان اكتشفا موهبة الطهطاوي في اللغات والترجمة. فوجهاه نحو هذا الحقل من العلوم
-------
كان كوسين دي برسوال الشخصية المهمة الثالثة بعد جومار و دوساسي في تشكيل ثقافة الطهطاوي 
( المستشرق الفرنسي
أرماند بيير كوسان دي برسفال
 Armand-Pierre Caussin de Perceval) وهو استاذ اللغة العربية الدارجة
ورث الإستشراق من أبيه ، وذهب الى القسطنطينية ليتعلم الترجمة ومنها الى موارنة لبنان وعاش معهم عام تقريبا ثم ترجمانا في حلب
وعاد أستاذًا للغة العربية الحديثة في مدرسة اللغات الشرقية الحية عام 1821م، وأيضًا أستاذًا للغة العربية في كوليج دو فرانس عام 1833م ،
نشر كوسين دي بيرسيفال (1828) كتابًا حول القواعد العربية الشائعة و طُبع مراراً
قام بتحرير وتوسيع قاموس
إلياس بقطر
Ellious Bocthor الفرنسي العربي وإلياس هذا قبطي مصري من أسيوط عينه الفرنسيون في المجمع العلمي المصري وخدم جيشهم بالترجمة. وسافر مع الفيلق القبطي والجنرال يعقوب صحبة الفرنسيين عند رحيلهم، فعين بباريس مدرسا للعربية العامية في مدرسة اللغات للشباب Ecole des jeunes de langues في باريس ومهمتها تعليم اللهجات العامية الموجودة في البلاد العربية للشباب الفرنسيين الذين سيعملون في القنصليات الفرنسية في البلاد العربية ، وخلفه دي بيرسيفال بعد موته
هناك قاموس آخر( إنجليزي عربي ) باسم قاموس إلياس أنطون إلياس اللبناني
الف بيرسيفال كتبا في العربية مثل " نحو اللغة العربية العامية "  «تعليقة على الشعراء العرب الثلاثة: الأخطل، الفرزدق، جرير» وغيرها
ولكن أشهرها << بحث في تاريخ العرب قبل الإسلام
the Essai sur l'histoire des Arabes avant l'Islamisme >>.
لكن المصدر الأساسي لكتابه هذا هو مخطوطات كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ومن البديهيات أن الأغاني ليس بمصدر للتاريخ بقدر ما هو كتاب أدبي.
سافر مع فيلق يعقوب بضع مئات من الأقباط الذين لعبوا دورا كبيرا في عمليات الترجمة وكمدرسين لغة عربية  ونهضة الإستشراق ونشأة الرومانسية الفرنسية فمنهم الشاعر يوسف إليا عجايبي 
Joseph Élie Agoub الذي ترجم المواويل المصرية الى الفرنسية وأعجبت الشاعر الفرنسي الشهير لامارتين وكتب يوسف ديواناً شعريا صغيرا باسم القيثارة الحزينة وترجمه رافع الطهطاوي باسم "نظم العقود في كسر العود " هناك وطبع في باريس
ومن المؤسف في أعتقادي أن يكتب أنور لوقا في كتابه كتاب و رحالة مصريون الى أوربا في ص 30 يصف المعلم يعقوب ( برائد القوميين" والمعلم يعقوب كان قد شكل فيلق يساعد الفرنسيين في قمع ثورات القاهرة وقد غادر مع الحملة خوفا من إنتقام الشعب المصري منه  ورأى "أنور لوقا"أن موته أثناء الرحلة البحرية على سفن الحملة (( كان ضربة قاضية للمفاوضات التي كان سيبدأها مع كل من الجكومة الفرنسية والحكومة الإنجليزية وبرحيل رائد القوميين هذا تحول المفاوضون المصريون الى لاجئين ))
ولم نجد ممن ترجم أو راجع الكتاب توضيحا لذلك الرأئ الذي يطلب الإحتلال " الفرنسي الأنجليزي" بحجة إستقلال مصر
---------
كان المسيو  شواليه ( الضابط المهندس ) هو الشخصية الرابعة في تشكيل وجدان شيخنا الطهطاوي
---------------

 حلقة 4

في نهاية السنة الثانية التمهيدية والإمتحان العام الذي حضره السير سيدني سميث Sidney Smith بطل أبي قير البحرية ومعه في الحفل القنصل البريطاني ديفيد مورييه  David Morier و تم توزيع طلاب البعثة على مدارس متخصصة ومثل مزرعة روفيل    Roville التدريبة أو السفن الحربية والمدارس الصناعية ..الخ
بيان بعثة عام 1826م
(( وقد احصاهم المسيو جومار في رسالته المنشورة بالمجلة الآسيوية
journal asiatique وعنه نقلنا اسماءهم
وسنذكر هنا عددهم وبيان اسماؤهم والفروع التي تخصصوا فيها والالقاب التي حازوها في المناصب التي تقلدوها بعد تخرجهم من البعثات
4 لدراسة الادارة الملكية او الحقوق: عبدي شكري (باشا) رئيس المجلس الأعلى فيما بعد
 أرتين بك،وزير خارجية فيما بعد
 سليم أفندي، محمد خسرو أفندي.
4 لدراسة الفنون الحربية والادارة العسكرية: مصطفى مختار بك،وزيرا للتعليم فيما بعد " قتل أحد خدمه بالعصا أثناء دراسته " كان شرسا وكان لديه في باريس آلات موسيقية وحصان عربي
 راشد أفندي
 أحمد بك،كان جيرانه في درب الحبالة يسمونه أحمد أفندي أبو شنب وقد كان شرسا مثل مختار بك فقتلته جواريه وعددهن 11 جارية  ا
 سليمان أفندي.
2 للعلوم العسكرية: اسطفان (بك)،وزير خارجية فيما بعد
 خسرو افندي.
3 للملاحة والفنون الحربية: حسن باشا الاسكندراني وزير البحرية فيما بعد
 محمود نامي بكوزير المالية فيما بعد
 محمد شنان بك.
3 للهندسة البحرية: محمد مظهر باشا وزير الشغال العامة فيما بعد
، سليمان افندي البحيري، علي افندي
2 للمدفعية: عمر افندي، سليمان لاظ افندي.
2 للطب والجراحة: علي هيبة، الشيخ محمد الدشطوطي.
2 للزراعة: يوسف افندي، خليل محمود افندي.
3 للتاريخ الطبيعي والمعادن: علي حسين افندي، أحمد النجدلي، احمد افندي
2 لهندسة الري: مصطفى بهجت باشا المعروف اصلا بمصطفى محرمجي افندي
 محمد بيومي افندي.أستاذ رياضيات فيما بعد
1 للميكانيكا: الشيخ احمد العطار.
1 امام البعثة: الشيخ رفاعة بك رافع الذي صار انبه رجال البعثة ذكرا وارفعهم شانا.وهو نموزج يعوض عمن فشلوا بعد عودتهم
2 لصنع الاسلحة وصب المدافع: امين بك الكرجي، احمد حسن حنفي
2 للطباعة والحفر: حسن افندي الورداني، محمد اسعد افندي.
4 للكيمياء: عمر الكومي، احمد يوسف، احمد شعبان، يوسف العياضي.
2 بدون تخصيص: امين افندي، احمد افندي
2 سافرا الى مرسيليا وطولون: حسين افندي، قاسم الجندي
3 عادوا لمصر لاسباب صحية او لعدم اهليتهم: الشيخ محمد الرقيق، ابراهيم وهبه، الشيخ العلوي))
-----------------
وحسب طوسون وزيدان فان ثلاثة من الموفدين كانوا من الرؤساء ذويي المناصب العليا وهم: عبدي أفندي المهردار في الادارة المدنية، ومصطفى أفندي مختار الدويدار في الادارة العسكرية، والحاج حسين الاسكندراني في البحرية (الأول والثاني تركيان والثالث عربي). وثلاثة من رجال الدين العرب وهم: الشيخ العلوي والشيخ محمد الرقيقة والشيخ رفاعة الطهطاوي
 أما البقية فكان توزعهم القومي على الشكل التالي: 4 أرمن مسيحيون،
 و5 جركس،
 و2 كرجي (جيورجي) مسلم،
واحد يوناني مسلم، واحد لاز
 و27 تركيا بمجموع 43 فرد
-----------
ينقل أنور لوقا أن معظم العائدين من فرنسا كانت ذكرياتهم " العروض المسرحية والمجلات وأحضروا معهم السلع الترفيهية والفاخرة وألعاب الورق والتعود على المشروبات الكحولية "
ويقول أن المصريون في عموم البعثات تاهت مكانتهم بين الموظفين الأتراك وبين الموظفين الأوروبيين 
-----------------

 طلب محمد علي من شيخ الأزهر وقتها الشيخ حسن العطار ترشيح آئمة للبعثة الأولى الى فرنسا فرشح الشيخ العطار عددا من الأئمة ومنهم الشيخ رفاعة ، الذي تقرر له مرتب يوزباشي وكانت الرتب العسكرية تسري على المدنيين أيضا

وبدأ الشيخ رفاعة دراسة اللغة الفرنسية على ظهر السفينة الحربية الفرنسية "لاترويت La truite " التي تحملهم الى فرنسا وإتخذ مدرساً عند وصوله نظير بضعة فرنكات كان يستقطعها من مصروفه الشخصي الذي كانت تقدمه له إدارة البعثة، يعلمه أصول الفرنسية في حين التزم الأئمة زملائه حدود وظيفتهم في الإمامة الدينية فقط لطلاب البعثة
لماذا ركبوا السفينة الحربية الملكية لاترويت ؟؟؟
كانت تلك المركب قد رست في الأسكندرية أثناء تجوالها في المتوسط واستقبل محمد علي قبطانها روبييار
Robillard بحفاوة ومكنه من زيارة الأهرام ودهشور وسقارة وحتي قابلوا الضباط الفرنسيين في أبي زعبل وهكذا لم يجد روبيار سبيلا لرفض طلب الباشا بإصطحاب البعثة معه الى فرنسا ، وتحركت مركب البعثة من الأسكندرية في 6 رمضان 1241هـ / 13 أبريل 1826م
خرجت البعثة من باريس في رمضان 1246هـ / فبراير 1831م الى مرسيليا ثم الأسكندرية
أي أنه أمضي نحو 5 سنوات في باريس
كان «مسيو جومار» قد تعين
ناظرًا على الدروس أي مشرفاً على البعثة ونتعرف على جومار في عجالة
والمسيو جومار هو
Edme-François Jomard  كان من رواد مجال رسم و تاريخ الخرائط  ومهندساً وعالم آثار ،رافق نابليون في حملته على مصر وكان عضوا في المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون.  ورأس هيئة تحرير كتاب وصف مصر
كان جومار في مصر تلميذا للمستشرق الفرنسي "فانتور دي بارادي  Jean-Michel Venture De Paradis " كبير مترجمي الحملة الفرنسية وهو من ترجم أول منشورات نابليون وكان مستشاره للشؤن الشرقية ومات فانتور في حصار عكا
وفانتور هو من أوعز بفكرة تسفير المصريين الى فرنسا
وقد خطط جومار لكليبر مشروع جمع 500 أو 600 من الفتيان والشباب حديثي العهد بالثقافة يمكن تشكيلهم بكل سهولة من خلال حجزهم في فرنسا عاما أوعامين ويعتادون على لغتهم وتقاليدهم ويعودوا بعدها حلفاء لفرنسا في مصر وينشروا الثقافة الفرنسية ومنع مقتل كليبر هذا المشروع من الخروج الى النور
------------
كان عثمان نور الدين مبتعثا الى إيطاليا لنحو خمس سنوات يتلقى العلوم الحربية والبحرية وفنون السياسة وإدارة الحكم ثم انتقل إلى فرنسا في 1819م  بهدف دراسة البحرية حيث التقى خلالهما المسيو جومار
 وطد جومار  علاقته بعثمان نور الدين وطلب من عثمان بشكل مباشر السعي لدى الباشا لإرسال بعثات تعليمية إلى فرنسا.

عاد عثمان نور الدين إلى مصر في نهاية 1820م وما زال عثمان يُلح على الباشا في إرسال البعثات العلمية إلي فرنسا حتى أُرسلت أكبر وأهم البعثات التعليمية المصرية في 1826م
و تم تعيين جومار من قبل محمد علي باشا مراسلاً لشئون العلاقات الثقافية بين مصر وفرنسا
وفي عام 1828م تم تعيين المسيو جومار أمينًا للمجموعات الجغرافية في المكتبة الملكية و كان جومار عضو مؤسس للجمعية الجغرافية الملكية في باريس
-----------------
كانت فرنسا تختار رجالها المحيطين بالوالي بكل دقة، حتى ينالوا ثقته من جديد، فسعت فرنسا برجالها وعلمائها وضباطها إلى مصر من خلال محمد على التى كانت تعتبره منفذاً ومتمماً لما بدأه علماء الحملة من أبحاث، وإكمال ما تعتبره الحملة إصلاحات
و استطاع الفرنسيون بخطتهم الممنهجة، السيطرة على مفاصل الإدارة داخل مصر فمثلا  الكولونيل سيف "سليمان باشا" بمدرسة أسوان الحربية، الجنرال بلانات بمدرسة أركان الحرب، الجنرال بولونيني بمدرسة البيادة، الجنرال فارن والجنرال واسيل بك بمدرسة السواري ، كما أرسلت فرنسا بعثة ( مهندسين وأطباء وفنانين والإقتصاديين ) من أتباع سان سيمون لإحكام السيطرة
كان محمد علي يدرك ضرورة وجود جيش حديث لحمايته والجيش
يحتاج إلى إدارة وصناعة وعلوم ومدارس واقتصاد حديث، فكان الوافدون من اوروبا والبعثات الى أوروبا أيضا  
------------------
كانت أول بعثة مصرية إلى فرنسا في عام
1826م ومنذ وصول تلك البعثة، عملت فرنسا على تقديم كل التسهيلات لهذه البعثة بغية نشر الثقافة الفرنسية في مصر، وقد استقبلهم "جومار" عضو المجمع العلمي الفرنسي، مخطط الغزو الثقافي الفرنسي الجديد
ترفع جومار عن قبول عشرة ألاف فرنك من محمد علي سنويا كراتب نظير خدماته للبعثة ونشر رفضه في الجريدة الرسمية وقال أنه لا يريد سوى علاقات أشد وثوقا بين مصر وفرنسا في العلاقات التجارية وأنه يساهم في إستعادة الحضارة المصرية ثم تحدث عن الحملة الفرنسية التي بذرت بذور الإصلاح في مصر  
بدأ التحديث الحقيقي لمصر على النمط الغربي، عقب عودة البعثة إلي مصر في 1831م فقد تم إنشاء ديوان المدارس وكان أول ناظراً لهذا الديوان هو مصطفى بك مختار أحد طلاب البعثة ، وأن تنشأ مدرسة الترجمة في 1835م  وأن يكون رفاعة الطهطاوي العضو الوحيد في البعثة والذي تخصص في الترجمة أول رئيساً لها
 كما سيصبح أعضائها كبار أدوات الحكم والثقافة في مصر، فقد أصبح عبيدي بك شكري رئيساً للمجلس العالي ثم مديراً لديوان المدارس
 أما الأرمني أرتين بك تشراكيان فقد عين مديراً لمدرسة الإدارة الملكية، ثم بمجلس شورى المدارس، ثم سكرتيراً للوالي شخصياً ثم ناظرا للتجارة والأمور الإفرنجية
"الخارجية"
 كما أن اسطفان بك أصبح فيما بعد ناظراً للخارجية أيضاً
.
وتلك البعثة لم يكن فيها غير خمسة فقط من المصريين بالإضافة الى أربعة من الأزهريين منهم الطهطاوي إمام البعثة
كان بها 16 من مواليد إسطنبول "ترك وشركس ويونان وأرمن وجورجيين ..الخ" والباقين من العثمانيين المولودين بمصر أو أبناء المماليك ، أما أبناء الفلاحين فيتعلمون( الحفر والطباعة بالحجر والزراعة والعلوم الطبية والصناعات الكيمائية ) ويقول أنور لوقا في كتابه أن بريس دافين
Prisse d’Avennes لم يبالغ حينما كتب ، ( لم يفكر محمد علي قط في إمكانية عتق هذا الجنس العربي الذي إحتقر لغته وإزدراه ولم يكن يحابي سوى الأجانب الأتراك أو المسيحيين كانوا هم من يتمتعون، بينما يعمل أهل البلد ،وفي الجيش كان العثمانيون وعبيدهم يحظون بجميع الرتب وكذلك كان الحال في الوظائف العامة )
من أعضاء البعثة أرتين وأخيه خسروا والشاب مظهر ذهبوا الى مدرسة شابتال الإعدادية وتولاهم المسيو جوبو
Goubaux
رؤساء البعثة ثلاثة عبدي أفندي التركي وحسن السكندري ومصطفى أفندي مختار

 تدريسه في الأزهر

وبعد أن أمضى رفاعة في الأزهر ست سنوات، جلس للتدريس فيه عام 1237 هـ / 1821م وهو في الحادية والعشرين من عمره،
والتف حوله الطلبة يتلقون عنه علوم المنطق والحديث والبلاغة والبيان والعروض وغيرها وكانت له طريقة آسرة في الشرح جعلت الطلبة يتعلقون به ويقبلون على درسه فكان الجمع الغفير من الطلبة يحضرها
كان يتردد بين الحين والآخر على طهطا ويلقي بعض الدروس بجامع جده أبي القاسم وامتازت دروسه بجاذبية كانت تحببه الى المستمعين وترغبهم في الإستزادة من بحر علمه وظهرت موهبته في التعليم والتثقيف وشهد له علماء طهطا بالسبق في هذا المضمار
كان سهل التعبير مدققاً محققاً يوضح المعنى بطرق مختلفة حتى يفهمها الصغير والكبير من مستمعيه
كان فقيرا وتولت امه الإنفاق عليه وهو في الأزهر كما أعطى بعض الدروس لحسين بك بن طبوز أوغلي كما قام بإلقاء بعض الدروس في مدرسة أنشأها محمد لاظ أوغلي

 ثم ترك التدريس والتحق بالجيش المصري النظامي عام 1240هـ / 1824م الذي أنشأه محمد علي إماما وواعظا لإحدى فرقه، كان في آلآي حسن بك المناسترلي ثم في آلآي أحمد بك المنكلي حتى شعبان 1241هـ / مارس 1826م
وغرست الجندية فيه الدقة والنظام والروح الوطنية والشجاعة
----------
كان إعتماد محمد علي على الإيطاليين أول الأمر فلهم جالياتٌ كثيرة في ثغور مصر والشام وكانت اللغة الإيطالية هي اللغة الأجنبية الأكثر شيوعًا
وتداولًا، بل لقد كانت لغة المخاطبات الرسمية حتى بين القنصليات غير الإيطالية، وكان هؤلاء الإيطاليون يعرفون العربية، كما كان عامةُ الأهالي في الثغور المصرية، وخاصة الإسكندرية، يتكلمون ببعض الإيطالية
 وتنافست فرنسا وإنجلترا على الفوز بالبعثات وإستقر محمد علي على فرنسا

وعلاقات مصر بفرنسا قديمة فقد كانت إيزيس معبودة مصرية نقلها الرومان الى أوروبا وأقاموا لها المعابد في بلاد الغال وانجلترا
 وربما كان فيلق طيبة
Theban Legion من الجنود المصريين الذي تم تدميره في مدينة آجون Agaune  في بلاد الغال عام 286م على يد ماكسيميان هرقل Herculius Maximian أول تلك العلاقات و ربما حمل الرهبان الأقباط المسيحية ونظام الرهبنة الى أوروبا
و هناك رهبان أقباط ماتوا في أيرلندا
، إثناسيوس بطريرك الأسكندرية كان منفيا في بلاد الغال عام 335-338م ومارس الرهبنة هناك
شكلت التجارة في العصور الوسطى جسرا بين مصر وبلاد الغال بإعتبار مصر هي الوسيط بين الهند واوربا
طلب بلاط لويس الرابع عشر أحد نبلاء الشرقيين يكون عارفا باللغات( العربية والتركية والفارسية والأرمينية) ليلتحق بخدمة الملك .
أما الرحالة فان سليب
Johann Michael Vansleb وهو راهب دومينيكي فقد قال عن المصريين عام 1671م ( هم غاية في الجهل بجميع أنواع العلوم والآداب )
حاول القنصل الفرنسي دي بونو ماييه
Benoit de Maillet عام 1699م توظيف ثلاثة شبان من الأقباط في البلاط الفرنسي لتنشئتهم نشأة فرنسية مثلما تقوم مدارس روما بإعداد المبشرين من أنحاء العالم ولكن الأقباط رفضوا 
وإعترف القنصل بكراهية المصريين عموما بما فيهم الأقباط  للأجانب وأن المصريون عندما يقولون عن شخص ما أنه "إفرنجي"فهذه تُعتبر إهانة
أعد لويس الثاني عشر عام 1510م مع جاك الرابع ملك اسكتلندا خطة غزو مصر ولكن تم حل المشاكل بينه وبين السلطان الغوري سلميا
إستبعد لويس الرابع عشر عام 1672م خطة الفيلسوف الألماني ليبنز
Leibniz لغزو مصر
اقترح لايبنتز حماية أوروبا الناطقة بالألمانية عن طريق تشتيت انتباه لويس على النحو التالي: ستتم دعوة فرنسا لاتخاذ مصر كنقطة انطلاق نحو غزو جزر الهند الشرقية الهولندية في نهاية المطاف
. وفي المقابل، توافق فرنسا على ترك ألمانيا وهولندا دون إزعاج
و
يمكن إعتبار غزو نابليون الفاشل لمصر عام 1798م على أنه تنفيذ متأخر غير مقصود لخطة لايبنتز
وطوال قرن تقريبا إعتبارا من 1659م كانت الموجة الأولى من المهتمين بمصر من الأوربيين تتدفق عليها وطلبوا عام 1737م نقل عمود السواري من الأسكندرية وإقامته في باريس مع وضع تمثال لويس الخامس عشر عليه
 وعادت فكرة غزو مصر للظهور مجددا عام 1768م مع وثائق الخارجية الفرنسية التى قدمها كل من وزير الخارجية ﺷﻮازول
Choiseul و ﻟﻮزان Lauzun و دوق إﺠــﻴـلـﻴـﻮن
Duke of Aiguillon وﺳــﺎن دﻳــﺪﻳـﻴﻪ Saint - Didier واﻟــﺒــﺎرون توت Tott وغيرهم حتى تاليرون  Talleyrandداهية السياسة الفرنسية  وهذا هو أصل حملة نابليون ( د أنور لوقا)

الخميس، 25 يوليو 2024

 محمود نعمان يكتب المنهج الوافي في رحلة الطهطاوي

من مصادرنا كتاب رحالة وكتاب مصريون الى فرنسا في القرن التاسع عشر( أنور لوقا وترجمة كاميليا صبحي وأمل الصبان)
وإن كان أنور لوقا في ص 25 من النسخة الإكترونية يرى أن غياب الرحالة المسلمون عن أوروبا في الوقت الذي كان الرحالة الغربيون يجوبون الشرق ، هذا الغياب سببه ديني وينسى د لوقا أن الرحالة المسلمون شهيرون في التاريخ ولكن محاكم التفتيش الأوربية منعت دخول المسلمين اليها

مقدمة
باتت الرؤية أمام المفكرين المسلمين في مصر منذ غزو نابليون ومنهج محمد علي باشا الطموح لحكم مصر غامضة
وبالذات كان أكثر ما رأى المسلمون في نهضة أوروبا هو التطور التقني الذي طغى على منافذ عقولهم والذي وَلّد فيهم شعور دفين بالتخلف وروح إنهزامية رانت على عقول المسلمين في مصر وغيرها على امتداد القرن التاسع عشر و العشرين
 كما انبهروا بباريس وباتوا يمتدحون جمالها وسلاسة حياة أهلها وألَّفوا فيها الكتب ونظموا الشعر
كانت النتيجة الطبيعية لتلك البعثات الى فرنسا وغيرها الانبهار الذي أَسَر العقول وشل الفكر وألجم الألسنة وزادهم إيمانا بمنطق سلطة العقل فباتوا في صدمة حضارية أثّرت سلبا على مسيرة الفكر في مصر والعالم الإسلامي بالذات لعقود من الزمان ، ويُعبِّر الجبرتي عنها حين زار مكتبة الفرنسيين ومعهدهم فيقول "ولهم فيه أمورٌ وتراكيب غريبة، ينتجُ منها نتائجُ لا تسعُها عقولُ أمثالنا"
من رواية الجبرتي أيضا نعلم أن أول من دخل المهندسخانة عام 1816م هم ( مماليك الباشا ثم أولاد الناس " أي أبناء قدامى المماليك المصرلية " ثم كان منهم بعض المصريين الأقحاح ) و لم يستعين بعلماء الأزهر وقد مر بنا من قبل أنهم كانوا يدرسون الرياضيات والحساب والجبر والهندسة والفلك وغيرها ،ولكنه إستقدم معلمين من الفرنجة وقساوسة من المبشرين الطليان للترجمة
 والبعثة الأولى الى فرنسا عام 1826م كانت من 44 طالبا وكان بينهم 18 فقط من المتحدثين بالعربية، بينما كان البقية يتحدثون التركية
أي أنه كان حريصا على إبعاد المصريين الخلص عن التعليم الحديث وبعض هؤلاء ال 18كان أئمة البعثة وهم أزهريون بالطبع ولكن باقيهم كانوا من " أولاد الناس" أي بقايا المماليك
كان الأزهريون منهم أئمة فقط بما فيهم الطهطاوي إمام البعثة
وثلاثة آخرين
أي أن طبقات المصريين الأقحاح من أدنى طبقات الهرم الاجتماعى الإقطاعى الذي كان سائدا آنذاك قد حُجِبت عنهم نظم الحياة المدنية الغربية الحديثة التي كانت حكرا فقط على طبقة الأتراك والألبانيين وبعض أهل الشام والأوروبيين واليهود ونخبة من المصريين
تزعم  الشيخ رفاعة الطهطاوي نهضة العلم والأدب "أو تحديث العلوم والأدب" في عصر محمد علي
من هو
الشيخ رفاعة بك رافع الطهطاوي (1801-1873م) ؟؟؟
مصري صميم ،من أقصى الصعيد ،نشأ نشأة عادية من أبوين فقيرين ، قرأ القرآن وتلقى العلوم الدينية كما يتلقاها عامة طلبة العلم في عصره ودخل الأزهر كما دخله غيره، وصار من علمائه كما صار الكثيرون، لكنه بذ الاقران، وتفرد بالسبق عليهم، وتسامت شخصيته إلى عليا المراتب، ذلك انه كان يحمل بين جنبيه نفسا عاليا، وروحا متوثبة، وعزيمة ماضية، وذكاء حاد، وشغفا بالعلم، واخلاصا للوطن وبنيه، تهيات له اسباب الجد والنبوغ فاستوفى علوم الأزهر في ذلك العصر
 ثم صحب البعثة العلمية الاولى من بعثات محمد علي، وارتحل إلى معاهد العلم في باريس، واستروح نسيم الثقافة الأوروبية، فزادت معارفه، واتسعت مداركه، ونفذت بصيرته، لكنه احتفظ بشخصيته، واستمسك بدينه وقوميته، فاخذ من المدنية الغربية احسنها، ورجع إلى وطنه كامل الثقافة، مهذب الفؤاد، ماضي العزيمة، صحيح العقيدة، سليم الوجدان، عاد وقد اعتزم خدمة مصر من طريق العلم والتعليم، فبر بوعده ووفى بعهده، واضطلع بالنهضة العلمية تاليفا وترجمة وتعليما وتربية، فملأ البلاد بمؤلفاته ومعرباته، وتخرج على يديه جيل من خيرة علماء مصر، وحمل مصباح العلم والعرفان يضئ به ارجاء البلاد، وينير به البصائر والاذهان، وظل يحمله نيفا واربعين سنة، وانتهت إليه الزعامة العلمية والأدبية في عصر محمد علي، وامتدت زعامته إلى عصر إسماعيل، ذلك هو رفاعة رافع الطهطاوي.
فلنستعرض تاريخ تلك الشخصية الكبيرة التي زينت عصر محمد علي، والتي لها الأثر الكبير على انهضة العلم والأدب في تاريخنا الحديث
نشاته الاولى
هو السيد رفاعة بن بدوي بن علي بن محمد علي بن رافع، يتصل نسبه بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو من نسل الحسين، وامه يتصل نسبها بالانصار ،
الطهطاوي بلدًا، الحُسيني القاسمي نسبًا
ولد في طهطا بمديرية جرجا، ولذلك سمى الطهطاوي وكانت ولادته في 7 جمادى الثانية 1216 هـ / 15 إكتوبر 1801م
كان اجداده من ذوي اليسار، ثم اخنى عليهم الدهر، فلما ولد المترجم كانت عائلته في عسر، فسار به والده إلى منشاة النيدة بالقرب من مدينة جرجا، واقاما في بيت قوم كرام  من أقاربه يُقال لهم بيت أبي قطنة من ذوي اليسار والمجد فأقاما هناك ثم إنتقلا الى قنا ثم إلى فرشوط، وفي خلال ذلك كان المترجم يحفظ القرآن وتوفي والده فعاد الى طهطا حيث اتم حفظ القرآن الكريم
ووجد من أسرة أخواله اهتماما كبيرا حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو وهم بيت علم من الانصار الخزرجية وفيهم جماعة من افاضل العلماء كالشيخ عبد الصمد الانصاري والشيخ أبي الحسن الانصاري، والشيخ فراج الانصاري، والشيخ محمد الانصاري
بدت عليه مخايل الذكاء والنباهة من صباه، وكان محبا للعلم والتحصيل، ذا عزيمة قوية، فجاهد في المطالعة والدرس، واخذ العلم عن شيوخ عصره
.
 
ولما بلغ رفاعة السادسة عشرة من عمره التحق بالأزهر وذلك في سنة (1232 هـ 1817م)، مسلحا بما سبق أن تعلمه على يد أخواله، الأمر الذي ساعده على مواصلة الدراسة مع زملائه الذين سبقوه في الالتحاق بالأزهر. وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتصوف والتفسير والنحو والصرف... وغير ذلك. وتتلمذ عل يد عدد من علماء الأزهر العظام مثل
الشيخ الفضالي المتوفى عام 1236هـ/  1820م و درس عليه صحيح البخاري
الشيخ البخاري المتوفى1256هـ / 1840م ودرس عليه الحكم لابن عطاء الله السكندري
الشيخ محمد حبيش المتوفى عام 1269هـ / 1853م ودرس عليه (مغنى اللبيب) و (جمع الجوامع)
الشيخ الدمنهوري المتوفى عام 1286هـ / 1869م  ودرس عليه (شرح ابن عقيل)
وكان من بينهم من تولى مشيخة الجامع الأزهر، مثل
الشيخ أحمد الدمهوجي الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1254هـ / 1838م ، والمتوفى عام 1264هـ /  1848م ودرس عليه (الأشموني)
الشيخ حسن القويسني الذي تولى مشيخة الأزهر1250هـ / سنة 1834م ودرس عليه جمع الجوامع في الأصول و مشارق الأنوار في الحديث

والشيخ إبراهيم البيجوري الذي تولى مشيخة الأزهر وتوفى 1860م / 1277هـ
 والشيخ حسن العطار، وكان هذا الأخير ممن وثق الطهطاوي صلته بهم ولازمهم وتأثر بهم
 وتميز الشيخ العطار عن أقرانه من علماء عصره بالنظر في العلوم الأخرى غير الشرعية واللغوية، كالتاريخ والجغرافيا والطب، واستفاد من رحلاته الكثيرة واتصاله بعلماء الحملة الفرنسية
و كان الشيخ العطار قد فقد ثقتَه بهذه العلوم اللغوية مذ بهرتْه علومُ الفرنسيين، وراح يطلب غيرَها لنفسه، ويقرأ لتلاميذه كتبًا غيرَ كتب الأزهر، وعلومًا غير علوم الأزهر، وكان يقول: "إنَّ بلادنا لا بد أن تتغيَّر أحوالُها، ويتجدَّد بها من المعارف ما ليس فيها"

 واحب العطار تلميذه لما انسه فيه من الذكاء والاكباب على العلم، فقربه إليه ، وحفه برعايته،
ووثق الطهطاوي صلته به ولازمه وتأثر به وكان الشيخ رفاعة يتردد عليه كثيرا في منزله، وياخذ عنه العلم والأدب والجغرافية والتاريخ.
وكان الشيخ حسن العطار من علماء مصر الاعلام، وامتاز بالتضلع في الأدب وفنونه والتقدم في العلوم العصرية، وكان كثير الإرتحال في ربوع مصر والشام أيضا وكان هذا نادرا بين علماء الأزهر، فاقتبس منه المترجم روح العلم والأدب، فكانت تلك الميزة من اسباب نبوغه، ذلك ان الأدب قد فتح ذهنه إلى البحث والتفكير وهداه إلى سداد الراي وحسن الديباجة وسلامة المنطق
والشيخ حسن العطار كان من تلامذة الشيخ حسن الجبرتي " والد المؤرخ الشهير الجبرتي "ودرس عليه الرياضيات والفلك وغيرها
من هنا نشات ميول رفاعة منذ نشاته العلمية إلى العلوم العصرية، والى الأدب والانشاء،
تبنى العطار علميا وأدبيا تلميذه رفاعة ووجهه إلى الاغتراف من ينبوع الأدب الفياض، وقد بادر الشيخ رفاعة إلى الارتواء من منهله العذب، وهو بعد في الأزهر، فقرا كثيرا من كتب الأدب، ومهر في فنونه، واذا تاملت في رحلته (تخليص الإبريز) وهي اول كتاب الفه في باريس، شهدت فيما يدلك على سعة مادته من بدائع الأدب العربي في النثر والنظم.
والشيخ العطار كما يقول رفاعة هو الذي اشار عليه قبل رحيله إلى فرنسا ان يدون رحلته في تلك الاقطار، فكانت هذه الرحلة تخليص الابريز باكورة مؤلفته، فالشيخ العطار كما ترى له يد طولى في تكوين رفاعة وهو الذي اختاره اماما للبعثة كما سيجئ بيانه

الأربعاء، 24 يوليو 2024

 
من مصادرنا كتاب رحالة وكتاب مصريون الى فرنسا في القرن التاسع عشر( أنور لوقا وترجمة كاميليا صبحي وأمل الصبان)
وإن كان أنور لوقا في ص 25 من النسخة الإكترونية يرى أن غياب الرحالة المسلمون عن أوروبا في الوقت الذي كان الرحالة الغربيون يجوبون الشرق ، هذا الغياب سببه ديني وينسى د لوقا أن الرحالة المسلمون شهيرون في التاريخ ولكن محاكم التفتيش الأوربية منعت دخول المسلمين اليها

مقدمة
باتت الرؤية أمام المفكرين المسلمين في مصر منذ غزو نابليون ومنهج محمد علي باشا الطموح لحكم مصر غامضة
وبالذات كان أكثر ما رأى المسلمون في نهضة أوروبا هو التطور التقني الذي طغى على منافذ عقولهم والذي وَلّد فيهم شعور دفين بالتخلف وروح إنهزامية رانت على عقول المسلمين في مصر وغيرها على امتداد القرن التاسع عشر و العشرين
 كما انبهروا بباريس وباتوا يمتدحون جمالها وسلاسة حياة أهلها وألَّفوا فيها الكتب ونظموا الشعر
كانت النتيجة الطبيعية لتلك البعثات الى فرنسا وغيرها الانبهار الذي أَسَر العقول وشل الفكر وألجم الألسنة وزادهم إيمانا بمنطق سلطة العقل فباتوا في صدمة حضارية أثّرت سلبا على مسيرة الفكر في مصر والعالم الإسلامي بالذات لعقود من الزمان ، ويُعبِّر الجبرتي عنها حين زار مكتبة الفرنسيين ومعهدهم فيقول "ولهم فيه أمورٌ وتراكيب غريبة، ينتجُ منها نتائجُ لا تسعُها عقولُ أمثالنا"
من رواية الجبرتي أيضا نعلم أن أول من دخل المهندسخانة عام 1816م هم ( مماليك الباشا ثم أولاد الناس " أي أبناء قدامى المماليك المصرلية " ثم كان منهم بعض المصريين الأقحاح ) و لم يستعين بعلماء الأزهر وقد مر بنا من قبل أنهم كانوا يدرسون الرياضيات والحساب والجبر والهندسة والفلك وغيرها ،ولكنه إستقدم معلمين من الفرنجة وقساوسة من المبشرين الطليان للترجمة
 والبعثة الأولى الى فرنسا عام 1826م كانت من 44 طالبا وكان بينهم 18 فقط من المتحدثين بالعربية، بينما كان البقية يتحدثون التركية
أي أنه كان حريصا على إبعاد المصريين الخلص عن التعليم الحديث وبعض هؤلاء ال 18كان أئمة البعثة وهم أزهريون بالطبع ولكن باقيهم كانوا من " أولاد الناس" أي بقايا المماليك
كان الأزهريون منهم أئمة فقط بما فيهم الطهطاوي إمام البعثة
وثلاثة آخرين
أي أن طبقات المصريين الأقحاح من أدنى طبقات الهرم الاجتماعى الإقطاعى الذي كان سائدا آنذاك قد حُجِبت عنهم نظم الحياة المدنية الغربية الحديثة التي كانت حكرا فقط على طبقة الأتراك والألبانيين وبعض أهل الشام والأوروبيين واليهود ونخبة من المصريين
تزعم  الشيخ رفاعة الطهطاوي نهضة العلم والأدب "أو تحديث العلوم والأدب" في عصر محمد علي
من هو
الشيخ رفاعة بك رافع الطهطاوي (1801-1873م) ؟؟؟
مصري صميم ،من أقصى الصعيد ،نشأ نشأة عادية من أبوين فقيرين ، قرأ القرآن وتلقى العلوم الدينية كما يتلقاها عامة طلبة العلم في عصره ودخل الأزهر كما دخله غيره، وصار من علمائه كما صار الكثيرون، لكنه بذ الاقران، وتفرد بالسبق عليهم، وتسامت شخصيته إلى عليا المراتب، ذلك انه كان يحمل بين جنبيه نفسا عاليا، وروحا متوثبة، وعزيمة ماضية، وذكاء حاد، وشغفا بالعلم، واخلاصا للوطن وبنيه، تهيات له اسباب الجد والنبوغ فاستوفى علوم الأزهر في ذلك العصر
 ثم صحب البعثة العلمية الاولى من بعثات محمد علي، وارتحل إلى معاهد العلم في باريس، واستروح نسيم الثقافة الأوروبية، فزادت معارفه، واتسعت مداركه، ونفذت بصيرته، لكنه احتفظ بشخصيته، واستمسك بدينه وقوميته، فاخذ من المدنية الغربية احسنها، ورجع إلى وطنه كامل الثقافة، مهذب الفؤاد، ماضي العزيمة، صحيح العقيدة، سليم الوجدان، عاد وقد اعتزم خدمة مصر من طريق العلم والتعليم، فبر بوعده ووفى بعهده، واضطلع بالنهضة العلمية تاليفا وترجمة وتعليما وتربية، فملأ البلاد بمؤلفاته ومعرباته، وتخرج على يديه جيل من خيرة علماء مصر، وحمل مصباح العلم والعرفان يضئ به ارجاء البلاد، وينير به البصائر والاذهان، وظل يحمله نيفا واربعين سنة، وانتهت إليه الزعامة العلمية والأدبية في عصر محمد علي، وامتدت زعامته إلى عصر إسماعيل، ذلك هو رفاعة رافع الطهطاوي.
فلنستعرض تاريخ تلك الشخصية الكبيرة التي زينت عصر محمد علي، والتي لها الأثر الكبير على انهضة العلم والأدب في تاريخنا الحديث
نشاته الاولى
هو السيد رفاعة بن بدوي بن علي بن محمد علي بن رافع، يتصل نسبه بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو من نسل الحسين، وامه يتصل نسبها بالانصار ،
الطهطاوي بلدًا، الحُسيني القاسمي نسبًا
ولد في طهطا بمديرية جرجا، ولذلك سمى الطهطاوي وكانت ولادته في 7 جمادى الثانية 1216 هـ / 15 إكتوبر 1801م
كان اجداده من ذوي اليسار، ثم اخنى عليهم الدهر، فلما ولد المترجم كانت عائلته في عسر، فسار به والده إلى منشاة النيدة بالقرب من مدينة جرجا، واقاما في بيت قوم كرام  من أقاربه يُقال لهم بيت أبي قطنة من ذوي اليسار والمجد فأقاما هناك ثم إنتقلا الى قنا ثم إلى فرشوط، وفي خلال ذلك كان المترجم يحفظ القرآن وتوفي والده فعاد الى طهطا حيث اتم حفظ القرآن الكريم
ووجد من أسرة أخواله اهتماما كبيرا حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو وهم بيت علم من الانصار الخزرجية وفيهم جماعة من افاضل العلماء كالشيخ عبد الصمد الانصاري والشيخ أبي الحسن الانصاري، والشيخ فراج الانصاري، والشيخ محمد الانصاري
بدت عليه مخايل الذكاء والنباهة من صباه، وكان محبا للعلم والتحصيل، ذا عزيمة قوية، فجاهد في المطالعة والدرس، واخذ العلم عن شيوخ عصره
.
 
ولما بلغ رفاعة السادسة عشرة من عمره التحق بالأزهر وذلك في سنة (1232 هـ 1817م)، مسلحا بما سبق أن تعلمه على يد أخواله، الأمر الذي ساعده على مواصلة الدراسة مع زملائه الذين سبقوه في الالتحاق بالأزهر. وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتصوف والتفسير والنحو والصرف... وغير ذلك. وتتلمذ عل يد عدد من علماء الأزهر العظام مثل
الشيخ الفضالي المتوفى عام 1236هـ/  1820م و درس عليه صحيح البخاري
الشيخ البخاري المتوفى1256هـ / 1840م ودرس عليه الحكم لابن عطاء الله السكندري
الشيخ محمد حبيش المتوفى عام 1269هـ / 1853م ودرس عليه (مغنى اللبيب) و (جمع الجوامع)
الشيخ الدمنهوري المتوفى عام 1286هـ / 1869م  ودرس عليه (شرح ابن عقيل)
وكان من بينهم من تولى مشيخة الجامع الأزهر، مثل
الشيخ أحمد الدمهوجي الذي تولى مشيخة الأزهر سنة 1254هـ / 1838م ، والمتوفى عام 1264هـ /  1848م ودرس عليه (الأشموني)
الشيخ حسن القويسني الذي تولى مشيخة الأزهر1250هـ / سنة 1834م ودرس عليه جمع الجوامع في الأصول و مشارق الأنوار في الحديث

والشيخ إبراهيم البيجوري الذي تولى مشيخة الأزهر وتوفى 1860م / 1277هـ
 والشيخ حسن العطار، وكان هذا الأخير ممن وثق الطهطاوي صلته بهم ولازمهم وتأثر بهم
 وتميز الشيخ العطار عن أقرانه من علماء عصره بالنظر في العلوم الأخرى غير الشرعية واللغوية، كالتاريخ والجغرافيا والطب، واستفاد من رحلاته الكثيرة واتصاله بعلماء الحملة الفرنسية
و كان الشيخ العطار قد فقد ثقتَه بهذه العلوم اللغوية مذ بهرتْه علومُ الفرنسيين، وراح يطلب غيرَها لنفسه، ويقرأ لتلاميذه كتبًا غيرَ كتب الأزهر، وعلومًا غير علوم الأزهر، وكان يقول: "إنَّ بلادنا لا بد أن تتغيَّر أحوالُها، ويتجدَّد بها من المعارف ما ليس فيها"

 واحب العطار تلميذه لما انسه فيه من الذكاء والاكباب على العلم، فقربه إليه ، وحفه برعايته،
ووثق الطهطاوي صلته به ولازمه وتأثر به وكان الشيخ رفاعة يتردد عليه كثيرا في منزله، وياخذ عنه العلم والأدب والجغرافية والتاريخ.
وكان الشيخ حسن العطار من علماء مصر الاعلام، وامتاز بالتضلع في الأدب وفنونه والتقدم في العلوم العصرية، وكان كثير الإرتحال في ربوع مصر والشام أيضا وكان هذا نادرا بين علماء الأزهر، فاقتبس منه المترجم روح العلم والأدب، فكانت تلك الميزة من اسباب نبوغه، ذلك ان الأدب قد فتح ذهنه إلى البحث والتفكير وهداه إلى سداد الراي وحسن الديباجة وسلامة المنطق
والشيخ حسن العطار كان من تلامذة الشيخ حسن الجبرتي " والد المؤرخ الشهير الجبرتي "ودرس عليه الرياضيات والفلك وغيرها
من هنا نشات ميول رفاعة منذ نشاته العلمية إلى العلوم العصرية، والى الأدب والانشاء،
تبنى العطار علميا وأدبيا تلميذه رفاعة ووجهه إلى الاغتراف من ينبوع الأدب الفياض، وقد بادر الشيخ رفاعة إلى الارتواء من منهله العذب، وهو بعد في الأزهر، فقرا كثيرا من كتب الأدب، ومهر في فنونه، واذا تاملت في رحلته (تخليص الإبريز) وهي اول كتاب الفه في باريس، شهدت فيما يدلك على سعة مادته من بدائع الأدب العربي في النثر والنظم.
والشيخ العطار كما يقول رفاعة هو الذي اشار عليه قبل رحيله إلى فرنسا ان يدون رحلته في تلك الاقطار، فكانت هذه الرحلة تخليص الابريز باكورة مؤلفته، فالشيخ العطار كما ترى له يد طولى في تكوين رفاعة وهو الذي اختاره اماما للبعثة كما سيجئ بيانه
أنشأ الشيخ حسن العطار جريدة الوقائع المصرية ورأس تحريرها

الجمعة، 10 يونيو 2022

الطاعون الكبير

 وكانت سنة 749هـ  كثيرة الوباء والفساد بمصر والشام من كثرة قطع الطريق وتفرد منجك وأخيه بيبغا أرس بتدبير المملكة‏

بدأ  الطاعون بمصر في رجب عام 748هـ / اكتوبر1347م قادما من الأسكندرية  وآشتد بديار مصر في شعبان ورمضان وشوال وارتفع في نصف ذي القعدة ، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس ‏"‏ إلى عشرين ألف نفس ‏"‏ في كل يوم‏ ، وعملت الناس التوابيت والدكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجرة وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب وحفرت الحفائر وألقيت فيها الموتى فكانت الحفيرة يدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر
ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم بل عم أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا وجميع أجناس بني آدم وغيرهم حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر
وكان أول آبتدائه من بلاد القان الكبير " الصين " ثم  تبريز وإلى بلاد الخطا والمغول فهلكوا بأجمعهم من غير علة في مشاتيهم ومصايفهم وعلى ظهور خيلهم وماتت خيولهم وصاروا جيفة مرمية فوق الأرض وكان ذلك في 742هـ  ، ثم اتصل الوباء ببلاد الشرق جميعها ببغداد أيضًا وبلاد أزبك وبلاد إسطنبول وقيصرية الروم ثم دخل أنطاكية حتى أفنى من بها‏ ثم عم الوباء جبال ابن قرمان وقيصرية ففني أهلها ودوابهم ومواشيهم‏ ثم وقع ذلك في بلاد الأكراد  وبلاد سيس فمات أهلها وخلت سيس‏
يقول ابن الوردي
سكان سيس يسرهم ما ساءنا  وكذا العوائد من عدو الدين
 الله ينفذه إليهم عاجلًا      ليمزق الطاغوت بالطاعون
ثم وقع في بلاد الخطا مطر عظيم لم يعهد مثله في غير أوانه فماتت دوابهم ومواشيهم عقيب ذلك المطر حتى فنيت وهلك ستة عشر ملكًا في مدة ثلاث أشهر
ابتدأ الوباء  epidemic بمدينة حلب ثم بالبلاد الشامية كلها وبلاد ماردين وجبالها وجميع ديار بكر وأفنى بلاد صفد والقدس والكرك ونابلس والسواحل وعربان البوادي حتى إنه لم يبق ببلد جينين غير عجوز واحدة خرجت منها فارة و كذلك بالرملة وغيرها وصارت الخانات ملآنة بجيف الموتى ، ولم يدخل الوباء معرة النعمان من بلاد الشام ولا بلد شيزر ولا حارم
ومات بمدينة غزة في شهر واحد زيادة على اثنين وعشرين ألف إنسان حتى غلقت أسواقها‏
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي
قد قلت للطاعون وهو بغزة قد جال من قطيا إلى بيروت
 أخليت أرض الشام من سكانها وأتيت يا طاعون بالطاغوت
ويقول أيضاً
رعى الرحمن دهرًا قد تولى يجازي بالسلامة كل شرط
وكان الناس في غفلات أمر فجا طاعونهم من تحت إبط
ويقول أيضاً
تعجبت من طاعون جلق إذ غدا وما فاتت الآذان وقعة طعنه
فكم مؤمن تلقاه أذعن طائعًا على أنه قد مات من خلف أذنه
"جلق من نواحي دمشق ، ومن خلف ألأذن يقصد الغدد اللمفية"
جمال الذين محمد ابن نباتة يقول
سر بنا عن دمشق يا طالب العي - - ش فما في المقام للمرء رغبه
رخصت أنفس الخلائق بالطا - - عون فيها فكل نفس بحبه
ويقول جمال الدين إبراهيم المعمار
قبح الطـاعـون داء فقدت فيه الأحبه
بيعت الأنفـس فـيه كل إنـسـان بـحـبـه
ويقول أيضا
يا طالب المـوت أفـق وانـتـبـه هذا أوان الـمــوت مـــا فـــاتـــا
قد رخص الموت على أهله ومـات مـن لا عـمـــره مـــاتـــا
وقال الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب الحلبي في المعنى من قصيدة أولها‏
 إن هذا الطاعون يفتك في العا - - لم فتك امرىء ظلوم حسود
 ويطوف البلاد شرقًا وغرباً  ويسوق الخلوق نحو اللحود
وأخذ إبن تغري بردي في وصف بثور وخراريج والنزيف الرئوي وقال بموت المصاب في خمسين ساعة فقط 
ثم عم الوباء بلاد الفرنج وابتدأ في المواشي ثم في الأطفال والشباب ، فلما شنع الموت فيهم جمع أهل قبرس من في أيديهم من أسرى المسلمين وقتلوهم جميعًا من بعد العصر إلى المغرب خوفًا من أن تفرغ الفرنج فتملك المسلمون قبرس وهلك لهم في هذا الوباء ثلاثة ملوك وهلك الرابع في جزيرة مجاورة لجأوا اليها  ، ولكثرة من كان يموت في جزائر الفرنجة صاروا يلقون الأموات في البحر
وقدمت مراكب إلى الإسكندرية وكان فيها 332 رجل ما بين تجار وعبيد فماتوا كلهم ولم يصل منهم غير أربعة من التجار وعبد واحد ونحو أربعين من البحارة
يقول إبن الوردي
إسكندرية ذا الوبا    سبع يمد إليك ضبعه
صبرًا لقسمته التي تركت من السبعين سبعه
ويقول أيضاً
يا رحمتا لدمشق من طاعونها  فالكل مغتبق به أو مصطبحْ
كم هالك نفث الدما من حلقه  أوَما تراه بغير سكين ذُبحْ
وقال قبيل موته بحلب
ولستُ أخاف طاعوناً كغيري فما هو غير إحدى الحسنيينِ
 فإن متُّ، استرحتُ من الأعادي وإن عشتُ، اشتفتْ أذني وعيني
وعم الموت جزيرة الأندلس بكمالها إلا مدينة غرناطة فإنهم نجوا ومات من عداهم ، و عم الموتان أرض إفريقية بأسرها جبالها وصحاريها ومدنها وجافت من الموتى وبقيت أموال العربان سائبة لا تجد من يرعاها‏ ، ثم أصاب الغنم داء فكانت الشاة إذا ذبحت وجد لحمها منتنًا قد اسود وتغير وماتت المواشي بأسرها ، ثم وقع الوباء بأرض برقة إلى الإسكندرية فصار يموت في كل يوم مائة
ثم وصل إلى مدينة دمنهور وتروجة والبحيرة كلها حتى عم أهلها وماتت دوابهم ومواشيهم ، وشمل الموت أهل البرلس ونستراوة وتعطل الصيد من البحيرة بموت الصيادين
وصارت الأموات على الأرض في جميع الوجه البحري لا يوجد من يدفنها‏ ، وماتت الفلاحون بأسرهم إلا القليل فلم يوجد من يضم الزرع
وبدأ الوباء في أهل بلبيس وسائر الشرقية في ربيع الآخر 749هـ فجافت الطرقات بالموتى ومات سكان بيوت الشعر ودوابهم ومواشيهم وامتلأت مساجد بلبيس وفنادقها وحوانيتها بالموتى ولم يبق مؤذن وطرحت الموتى بجامعها وصارت الكلاب فيه تأكل الموتى‏
وفي شعبان تزايد الوباء بديار مصر وعظم في شهر رمضان وأرسلوا السلطان الى سرياقوس وقد دخل فصل الشتاء فرسم بالاجتماع في الجوامع للدعاء‏ واشتد الوباء بعد ذلك حتى عجز الناس عن حصر الموتى ، ولم يحتج أحد في هذا الوباء إلى أشربة ولا أدوية ولا أطباء لسرعة الموت ، وخرج الأمر عن الحد ووقع العجز عن العدد وهلك أكثر أجناد الحلقة وخلت الطباق بالقلعة من المماليك السلطانية لموتهم ، فما أهل ذو القعدة إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يوجد بشوارعها مار بحيث إنه يمر الإنسان من باب زويلة إلى باب النصر فلا يرى من يزاحمه لاشتغال الناس بالموتى‏ ، وخلت أزقة كثيرة وحارات عديدة من الناس وصار بحارة برجوان اثنتان وأربعون دارًا خالية
وإذا ورث إنسان شيئًا انتقل في يوم واحد عنه لرابع وخامس‏
تم حصر عدة من صلي عليه بالمصليات خارج باب النصر وباب زويلة وباب المحروق وتحت القلعة ومصلى قتال السبع تجاه باب جامع قوصون في يومين فبلغت ثلاث عشرة ألفًا وثمانمائة سوى من مات في الأسواق والأحكار وخارج باب البحر وعلى الدكاكين وفي الحسينية وجامع ابن طولون ومن يتأخر دفنه في البيوت‏
ويقال‏:‏ بلغت عدة الأموات في يوم واحد عشرين ألفًا وحصرت الجنائز بالقاهرة فقط في مدة شعبان ورمضان فكانت تسعمائة ألف سوى من مات بالأحكار والحسينية والصليبة وباقي الخطط خارج القاهرة وهم أضعاف ذلك‏ ، وعدمت النعوش وكانت عدتها ألفًا وأربعمائة نعش فحملت الأموات على الأقفاص ودراريب الحوانيت وصار يحمل الاثنان والثلاثة في نعش واحد وعلى لوح واحد‏
ثم شمل الوباء في آخر السنة بلاد الصعيد بأسرها ولم يدخل الوباء ثغر أسوان ولم يمت به سوى أحد عشر إنسانًا
وتواترت الأخبار من الغور وبيسان وغير ذلك أنهم كانوا يجدون الأسود والذئاب وحمر الوحش وغيرها من الوحوش ميتة وفيها أثر الكبة‏ " أي الغدد اللمفية وهي الطور الأول من الطاعون وبعدها التسمم الدموي والطور الثالث هو الطاعون الرئوي pneumonic plague وينتقل بالهواء
فلما جاء النيل ووقع أوان التخضير تعذر وجود الرجال فلم يخضر إلا نصف الأراضي ولم يوجد أحد ليشتري القرط الأخضر ولا من يربط عليه خيوله‏
‏ خلت بلاد الصعيد مع آتساع أرضها بحيث كانت مكلفة مساحة أرض أسيوط تشتمل على ستة آلاف نفر يؤخذ منها الخراج فصارت في سنة الوباء هذه تشتمل على مائة وستة عشر نفرًا‏. وآنحط سعر القماش حتى بيع بخمس ثمنه وأقل ولم يوجد من يشتريه وصارت كتب العلم ينادى عليها بالأحمال فيباع الحمل منها بأرخص ثمن‏ وانحط قدر الذهب والفضة حتى صار الدينار بخمسة عشر درهمًا بعد ما كان بعشرين‏ ، وعدمت جميع الصناع فلم يوجد سقاء ولا بابا ولا غلام وارتفعت أجورهم " الجامكية " وبلغ ثمن راوية الماء ثمانية دراهم لقلة الرجال والجمال وبلغت أجرة طحن الإردب القمح دينارً
ويُقال " إن هذا الوباء " جائحة pandemic " أقام يحور على أهل الأرض مدة خمس عشرة سنة "
 ( الطاعون الأسود: ظهر في الفترة ما بين 1330/1353 م، وقُدِرَ عدد المتوفين بسببه حول العالم بحوالي 75 مليون فردًا ، انطلق المرض من آسيا ليصل لدول البحر المتوسط وغرب أوروبا في عام 1348م، ربما من خلال الجنود الايطاليين الهاربين من النزاع في شبه جزيرة القرم، وتسبب في وفاة ما يقدر بحوالي 20 إلى 30 مليون أوروبي في 6 سنوات، بما يعادل ثلث سكانها، وبما يصل إلى نصف سكان المدن الحضرية الأكثر تأثرًا. وكانت هذه الدورة الأولى لتفشي هذا الطاعون الأوروبي، والذي استمر حتى نهاية القرن الثامن عشر. وقد تفشى ما يزيد عن مئة طاعون في أوروبا خلال هذه الفترة. وصار المرض يتكرر في إنجلترا بمعدل مرة كل سنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس سنوات وذلك خلال الفترة من 1361م إلى 1480م. ويعد طاعون لندن العظيم في عامي 1665، 1666م آخر اندلاعات هذا المرض في إنجلترا. وتسبب هذا المرض في وفاة حوالي مئة ألف فردًا، بما يمثل 20% من سكان لندن)
أخذ الوباء يتناقص في مصر في محرم 750هـ