الأربعاء، 10 يونيو 2026

( 2) قصة علي باشا مبارك 
يجسد علي مبارك قصة كفاح مصرية خالصة؛ انطلق من قاع البؤس ليعيد صياغة وجه مصر التعليمي، والمعماري، والإداري، واضعاً أسس النهضة والتنظيم الحديث للدولة
يُعدّ علي مبارك بحق أحد أبرز رواد النهضة المصرية الحديثة؛ ورغم التقلبات السياسية الحادة التي عاشها بين رفع وإبعاد، إلا أنه ترك بصمة تاريخية جعلته يستحق ألقاباً مثل "أبو التعليم" ورائد الهندسة والموسوعية.
وهو نموذجاً فذاً لرجل الدولة الإصلاحي والموسوعي الذي أحدث نقلاً تفاعلياً وعلمياً واجتماعياً في مصر الحديثة. ورغم مواقفه السياسية المحافظة التي وضعت طاعته لولي الأمر فوق الميول الثورية، إلا أن إرثه الثقافي والتعليمي ظل ممتداً وشاهداً على بصيرته.
 ولد عام 1824م بقرية برنبال الجديدة بالدقهلية لأسرة متواضعة (كان والده شيخاً ومأذوناً). عانت الأسرة من ضغوط الضرائب وهجرت قريتها لتعيش في خيام عرب السماعنة.
 أتم حفظ القرآن الكريم في "الكُتّاب" رغماً عن قسوة المعاملة والضرب، ثم عمل صبياً لدى كَتَبة قیاس الأراضي وعانى البؤس ذاته، وتعرض للسجن.
 بفضل جودة خطه، عُين كاتباً لدى "عنبر أفندي" (مأمور زراعة القطن). وهناك لفت انتباهه نظام التعليم في "قصر العيني"، فقرر الالتحاق به. تخطى الصعاب العسكرية والتحق بـ "المهندسخانة" ببولاق وتخرج أول دفعته بتفوق عام 1844م.
 بعثة الأنجال والتكوين في فرنسا
 اختير ضمن بعثة دراسية مميزة إلى فرنسا (ضمت أمراء من بيت محمد علي، منهم الخديوي إسماعيل مستقبلاً).
 واجه عقبة اللغة الفرنسية بعزيمة شديدة؛ فكان يسهر الليل يدرس كتب الأطفال حتى أتقن اللغة وتفوق.
 درس المدفعية والهندسة الحربية في كلية "متز العسكرية"، حتى استدعاه عباس الأول للعودة إلى مصر عام 1848م.
 التقلبات السياسية والجهاد العلمي
 في عهد عباس الأول: تولى إدارة "ديوان المدارس" (وزارة المعارف). وفي ظل سياسة عباس التقشفية، وضع علي مبارك مشروعاً ذكياً لإعادة تنظيم المدارس بميزانية منخفضة جداً (5 آلاف جنيه بدلاً من 100 ألف) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. نشط في حركة تعريب العلوم الهندسية وتأليف الكتب.
 في عهد سعيد باشا (حرب القرم ومحو الأمية): أبعده الوشاة وعزله سعيد وأرسله لـ "حرب القرم" ضد روسيا لمدة سنتين ونصف، تولى فيها مهام إدارية وطبية بنجاح. وبعد عودته تم تسريحه من الخدمة فعمل بالتجارة والهندسة الحرة.
معلم محو الأمية: عاد لاحقاً لوظيفة بسيطة لتعليم الضباط القراءة والكتابة، وبإصراره وحسه الوطني، حوّل هذا المشروع البسيط (مستخدماً الفحم والتراب والحبل على الأرض لتعليم الهندسة) إلى ما يشبه كلية حربية مصغرة، وألف كتاب "تقريب الهندسة".
 عصره الذهبي وأعماله العظيمة
استدعاه زميل بعثته القديم الخديوي إسماعيل فور توليه الحكم، وسلمه قيادة المشروعات الكبرى:
تخطيط القاهرة الجديدة: قاد المشروع المعماري لتحويل القاهرة إلى "باريس الشرق"؛ ردم البرك والمستنقعات، شق الشوارع الواسعة والميادين، ورصف طريق شبرا الرئيسي وطريق الأهرام، وأنشأ كوبري قصر النيل.
البنية التحتية والري: حفر ترعتي الإسماعيلية والإبراهيمية، وأنشأ مباني البريد والسكك الحديدية. كما حل مشكلات "القناطر الخيرية" ببراعة.
ربما ابتكر فلسفة معمارية "النمط القياسي" موحدة ومميزة لبناء محطات السكك الحديدية والمباني العامة بمختلف أحجامها.
المهام السياسية والإدارية: مثل مصر في نزاع أراضي قناة السويس مع الجانب الفرنسي ( رغم خسارة مصر للتحكيم فقد نال المكافآة من الخديوي والفرنسيين)
 وتولى قيادة دواوين متعددة في آن واحد (المدارس، الأشغال العمومية، السكك الحديدية، والأوقاف)، وأشرف على حفل افتتاح قناة السويس الأسطوري. كما أصدر ""لائحة رجب 1285هـ / أكتوبر 1868م"" التاريخية لإصلاح التعليم عام 1868م.
حيث أخضع الكتاتيب للإشراف الحكومي لأول مرة بعد إحصاء شامل لحالتها ومبانيها وقسمها درجات وهي أول مشروع فكري لتوسيع التعليم الابتدائي ومراعاة الأحوال الصحية والدعم المالي.
يُشكل عهد الخديوي إسماعيل العصر الذهبي والمليء بالإنجازات في مسيرة علي باشا مبارك، حيث نال فيه رتبة الباشاوية، وتولى لاحقاً (عام 1878م) ثلاث وزارات هامة هي: المعارف، والأوقاف، والأشغال العمومية. وكان الإنجاز الأكبر الذي خلّد اسمه هو إعادة هندسة وبناء نظام التعليم المصري وتحويله من صبغة عسكرية بحتة إلى ثقافة شعبية موسعة.ا
لمحطات والتحولات التعليمية والثقافية التي قادها:
فلسفة تحويل التعليم (من النظام العسكري إلى الثقافة الشعبية)
كان التعليم المدني في عهد محمد علي تابعاً لأغراض الجيش فقط (الطب لأطباء الجيش، الهندسة للتصميمات العسكرية)، وكانت المدارس تدار كـ "ثكنات عسكرية" في نظامها ورتب معلميها، ومقتصرة على العاصمة والإسكندرية، بينما تُركت الأقاليم لكتاتيب تعاني من سوء الحالة الصحية وقسوة المدرسين.
حوّل علي مبارك التعليم ليكون حقاً للشعب؛ فقسم مستويات التعليم إلى ثلاثة (ابتدائي، وثانوي، وعالي)، ووحد المناهج حذواً بالنظام الفرنسي بمقتضى قانون 1867م.
وفي عام 1880م، أقر تدريس مواد التاريخ والجغرافيا والعلوم باللغتين الفرنسية أو الإنجليزية لتقوية الملكة اللغوية والتدريبية للطلاب.
إصلاح الكتاتيب وتأهيل "المؤدبين"
استغل توليه لوزارتي الأشغال والأوقاف معاً؛ فسخر عمال الأشغال لترميم المدارس، وأموال الأوقاف للصرف على التعليم ورفع أجور المعلمين (الذين سماهم المؤدبين).
-----------

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق