الأربعاء، 10 يونيو 2026

(3) 
 الابتكار العلمي وتعليم الفتيات (النهوض بالمرأة والمجتمع)
معمل الكيمياء والطبيعة: أسسه في درب الجماميز بعد إنشائه للكتبخانة، ليكون بمثابة "متحف علمي حي" يفتح أبوابه للتلاميذ وهواة العلم، مواكبةً للتطورات العلمية التفاعلية الحديثة.
 المدرسة السَنيّة (حلم تعليم الإناث): نجح علي مبارك في تنفيذ وترجمة دعوة رفاعة الطهطاوي لتعليم الفتيات (المطروحة في كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين 1872م")، متجاوزاً الهجوم الاجتماعي الذي واجه محاولات البابا كيرلس الرابع السابقة بالأزبكية وحارة
السقايين. وبمؤازرة "جشم آفت هانم" (زوجة الخديوي إسماعيل)، أنشأ مدرسة السيوفية عام 1873م في سراي الأمير طاز، والتي عُرفت عام 1891م بـ "المدرسة السنية" وتخرجت فيها أبرز رموز المجتمع، وشهدت خروج أول مظاهرة نسائية عام 1919م.
 الريادة الموسوعية والمصنفات الأدبية
    الخطط التوفيقية: تتربع على رأس مؤلفاته العشرين في مجال الكتابة الموسوعية، حيث وثق فيها مدن مصر وقراها منذ أقدم العصور، واصفاً منشآتها من مساجد، وكنائس، وأديرة، ومرافق عامة.
    رواية (عَلَم الدين) 1882م: كتاب فذ من أربعة مجلدات و125 مسامرة. يُعتبر أول عمل يؤلَّف على نحو قصصي في الأدب العربي الحديث؛ حيث سبق كتاب "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي و"ليالي سطيح" لحافظ إبراهيم.
الفكرة والبناء: تدور المسامرات حول رحلة إلى أوروبا تجمع بين سائح إنجليزي (مجهول الاسم)، وشيخ أزهري (الشيخ علم الدين)، وزوجته، وابنه (برهان الدين)، وخادمه (يعقوب). وهدفه تعليمي مشوق يدمج شذرات الفقه، والتاريخ، والعلوم (كالقطار، والبخار، والفنادق، والبحار) عبر أسلوب جذاب تندمج فيه القصص المشوقة مثل قصة "القاتل الكسيح".
 المآخذ والنقد: يُعاب عليه الخروج أحياناً عن البناء القصصي وعدم مراعاة حدود الزمان والبيئة للشخصيات؛ كجعل زوجة الشيخ عالمةً بأصول البشر والمذاهب والأديان. كما وقع في بعض التكرار والمعلومات العجيبة غير المستندة لأصول صحيحة (مثل ما قبل الطوفان)، وأخطاء جغرافية كاعتبار الفيلسوف ابن رشد من "الموصل" بدلاً من الأندلس.
 الكتب المدرسية وسيرته الذاتية: ألّف كتباً تعليمية عدة مثل: "تقريب الهندسة"، "حقائق الأخبار في أوصاف البحار"، "تذكرة المهندسين"، و*"الميزان في الأقيسة والمكاييل والموازي"
 ويُتناقل كتاب "علم الدين" على أنه يمثل سيرته الذاتية.
الصالون الثقافي وفلسفة مطالبة الحقوق
حوّل بيته في الحلمية الجديدة إلى نادٍ ثقافي مزدحم بالزوار. وعندما استنكر "مصطفى رياض باشا" (ناظر النظار) تجمهر الناس واختلاط الباشا بهم، رد عليه علي مبارك بفلسفة تنموية قائلاً:
 «يا دولة الرئيس، أنا في بلد يهاب الناس فيه أن يخاطبوا معاون إدارة... فإذا نحن جرأناهم علينا وخاطبونا... وتعودوا أن يطالبوا بحقوقهم وقالوا: إنا نجالس الناظر ونخاطبه، فلم لا نخاطب من هو أقل منه منزلة؟».
الموقف من الثورة العرابية والاحتلال البريطاني
مبدأ الطاعة وعدم الاشتراك: لم يمتلك علي مبارك مزاجاً ثورياً عنيفاً كجمال الدين الأفغاني، بل ارتكز مبدؤه على الطاعة المطلقة لولي الأمر (فأطاع عباس، وسعيد، وإسماعيل، وتوفيق). وكان مؤمناً بأن الإصلاح التعليمي هو الدعامة الحقيقية التي تسبق الإصلاح السياسي ولا قيمة لسياسة دونه. ولذلك نال رضا الخديوي توفيق وعطفه في الوقت الذي اتُّهم فيه عقلاء آخرون بمشايعة عرابي كـ (محمد عبده وعبد الله فكري).
    ولاء مطلق ووساطة سياسية: كأمير الشعراء أحمد شوقي، كان لعلي مبارك ولاء مطلق لأسرة محمد علي (إسماعيل وبنيه)؛ فاعتبر ثورة عرابي مجرد "عصيان يفت في عضد البلاد" ونجم عن حقد أصحاب الأغراض على نجاح الوزارة. واستخدمه الخديوي توفيق لبث الفتنة في صفوف العرابيين باقتراح لجان صلح.
التقارير مع الإنجليز: أورد المؤرخ محمود الخفيف مراسلات بريطانية تظهر نقل علي مبارك أخباراً لنائب القنصل الإنجليزي (كارتريت) عن معسكر عرابي بكفر الدوار، موضحاً أن علاقة عرابي بالبدو غير متينة، واقترح خطة لتفريق شمل الجيش عبر ضمان سلامة الضباط والطلبة لبعثرة المقاومة.
 نظارة المعارف بعد الاحتلال وتحويل لغة الطب: تولى نظارة المعارف في وزارة مصطفى رياض بعد الاحتلال، لكنه اصطدم بالقيود المالية وضغوط المستشار الإنجليزي بعد أن كان حراً طليقاً قبل الاحتلال. وذكر د. محمد الجوادي أن علي مبارك هو من حول مدرسة الطب من النظام الفرنسي إلى البريطاني (باللغة الإنجليزية) متأثراً بحقبة الاحتلال.
جوانب شخصية ووفاته
تزوج ثلاث مرات (مصرية، وتركية، وحبشية لم يذكر هويتها في كتابه "حياتي"). وكان يمتلك 330 فداناً (300 منحة من عباس باشا، و30 من حر ماله)، ترك الـ 30 فداناً ميراثاً لذريته، بينما جعل الـ 300 فداناً وقفاً مشتركاً بين الأهلي والخيري.
 كانت نظارة المعارف آخر مناصبه، ولزم بيته بعد استقالة الوزارة عام 1891م، ثم سافر لبلاده لإدارة أملاكه، حتى داهمه المرض وعاد للقاهرة للعلاج وتوفي في 14 نوفمبر 1893م (5 جمادى الأولى 1311هـ).
-------------------


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق