الخميس، 18 يونيو 2026

المسامرة الثانية

 "المسامرة الثانية: السفر والعودة":
"المسامرة الثانية: سفر وعودة" (ص22-27)
 (رحلة علم الدين من قريته إلى القاهرة، واستقراره في طلب العلم بالأزهر الشريف، ثم عودته للقرية بعد وفاة والديه)
1. مشاعر السفر الأولى ولقاء رفيق الطريق
تبدأ المسامرة بوصف مشاعر "علم الدين" المختلطة في أول سفر له؛ حيث كان يبكي تارة لفراق أهله، ويفرح تارة أخرى لرغبته الشديدة في تحصيل العلم. وخلال رحلته في المركب، التقى برجل صالح ولبيب من أهل القاهرة كان عائداً من الريف، فامتزج به وتسلّى بحديثه، وصار هذا الرجل يصف له أحوال القاهرة والأزهر ويقدم له النصائح، ووعده بزيارته بعد الوصول.
2. الاستقرار في القاهرة والالتحاق بالأزهر
    كرم الضيافة: عند وصولهم، استضاف الرجلُ الصالح علمَ الدين في منزله، وفي الصباح توجه به إلى صديق والده القديم الذي استقبله بالفرح والترحاب الشديد وفاءً لصداقة أبيه.
    السكن والدروس: خيَّره صديق والده بين السكن معه أو قرب الأزهر، فاختار علم الدين السكن قرب المسجد لئلا تفوته مجالس العلم، وهي أمارة نالت استحسان الجميع. ثم اصطحبه إلى شيخ أزهري جليل أوصاه به خيراً.
    النبوع والتفوق: انكبّ علم الدين على دروسه مجتهداً طوال النهار ومطالعاً في الليل، ولم تمرّ عليه سنوات قليلة حتى برع وتفوَّق في علوم اللغة (النحو، الصرف، العروض)، وفروع الفقه، ثم علوم البلاغة، والأصول، والتفسير، والحديث، حتى صار يُشار إليه بالبنان ويُضرب به المثل بين أقرانه لما تحلى به من حُسن أدب وفصاحة ووقار.
3. الفاجعة والعودة إلى القرية
    موت الوالدين: بعد سنوات من الجدّ لم يزر فيها بلدته، فُجع علم الدين بخبر وفاة والديه. فعاد إلى القرية ليتكفل بأخواته الثلاث، وقام ببيع تركة أبيه الزهيدة (بعض الأعنز، حمارة، آنية فخار، وأثاث بسيط) بمبلغ نحو 400 قرش لتجهيز زاد السفر.
    رفض منصب القضاء والإمامة: اجتمع عليه مشايخ البلدة وألحّوا عليه أن يخلف والده في إمامة المسجد، بل وعرضوا السعي لتوليته نيابة القضاء في القرية لعلمهم بتبحره الذي فاق علم أبيه. لكنه اعتذر وتمنّع تورعاً، مبيناً خطورة منصب القضاء ومسؤوليته العظيمة بين يدي الله يوم القيامة، معللاً بأنه يود إتمام دراسته أولاً. وبامتناعه هذا، آلت إمامة المسجد والوظائف الملحقة بها إلى رجل ضرير وصالح من أهل القرية يُدعى "الشيخ سويلم".
4. كفالة الأخوات واللجوء إلى قراءة الختمات
عاد علم الدين بأخواته الثلاث إلى مصر (القاهرة) واستأجر لهن بيتاً في "ربع". وبسبب ضيق ذات اليد وعدم كفاية "الجراية" (الراتب أو المخصصات العينية) المرتبة له من الأزهر لقوت أربعة أفراد، شرح حاله لبعض مشاهير الأزهريين فسعوا له في "جراية ثانية". ومع ذلك، ظلت النفقة غير كافية، مما اضطره تحت وطأة الفقر وتدبير المعيشة إلى الخروج مع المُرشدين لـقراءة الختمات ليلاً في البيوت وغشيان منازل الأمراء طلبًا للصدقات، معتبراً أن هذا العمل -وإن كان فيه هتك للمروءة في نظره- إلا أن الضرورات تبيح المحظورات، وبذلك تخلص جزئياً من ضيق الفقر وأوحاله.


الإستشهاد بالشعر في كتاب علم الدين بدون أن ينسبه لقائله في أحيان كثيرة

 ومنسوب للإمام الشافعي :
لن يبلُغَ العلمَ جميعاً أحدٌ  لا ولَوْ حاوَلَهُ ألفَ سنَهْ
إنما العلْمُ عَمِيقٌ بحرُهُ فخذوا من كل شيءٍ أحسنه
لا خَيرَ في حَشْوِ الكَلا ابن عم ابن عم أخي عمِّ أبيهِ
صار مالُ المتوفَّى كاملاً  باجتماعِ القولِ لا مريةَ فيهِ
ومنسوبة إلى الإمام علي في ربيع الأبرار للزمخشري
ما حوى العلم جميعاً أحد لا ولو مارسه ألف سنهْ
إنّما العلمُ بعيدٌ غوره فخذوا من كل شيءٍ أحسنهْ
وأيضاً
ما حوى العلم جميعاً أحد ... لا ولو دارسه ألف سنه
إنما العلم كبحر زاخر ... فخذوا من كل شيء أحسنه
--
وايضا " ربما هي لسيدنا زين العابدين "
لا تدخر غير العلوم فإنها نعم الذخائر
فالمرء لو ربح البقآ مع الجهالة كان خاسر
--
وللشافعي رضي الله تعالى عنه شعر
 أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان 
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وصحبة أستاذ وطول زمان
-----
أبو الفتح البستي عصر عباسي
العِلمُ أنفَسُ شيء أنتَ داخِرُهُ  مَنْ يدرُسِ العِلمَ لم تَدْرُسْ مفاخِرُهُ
فاجهَدْ لِتَعلَمَ ما أصبحْتَ تجهَلُهُ  فأوُّلُ العِلمِ إقبالٌ وآخِرُهُ
--------
يقول الشيخ لولده علم الدين ( الناس أعداء ما جهلوا)
"
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ" الأحقاف آية 11
ويقول المتنبي لمن لم يرزق الذوق لفهم الشعر الرائع
ومَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ، مريضٍ    يَجِدْ مُرّاً بِهِ الْمَاءَ الزُّلَالَا
------------
لقد وجدت على باشا مبارك يستشهد بالكثير من الشعر بدون أن ينسبه لقائله فبحثت عن القائلين هكذا :
ويستشهد علي مبارك بشعر أبوسعيد سابق بن عبد الله البربري وهومن الزهاد وموالي الأمويين له كلام في الحكمة والرقائق
قد ينفعُ الأدَبُ الأحداثَ في صِغِرٍ  وليس يَنفَعُ عند الكَبرَة الأدَبُ
إنَّ الغُصُونَ إذا قوَّمتها اعتَدَلَت  ولن تَلِينَ إذا قَوَّمتَها الخُشُبُ
ثم يستشهد بشعر صالح بن عبد القدوس الأزدي الجزامي في العصر العباسي:
تَخير مِن الاِخوان كُل اِبن حرة  يَسرك عِندَ النائِباتِ بَلاؤُه
وَقارِن اِذا قارَنت حراً فَإِنَّما   يَزينُ وَيُزري بِالفَتى قُرناؤُه
وفي موضع آخر يستشهد بشعر لست أدري أهو :  زهير بن أبي سلمى  ؟؟ أم من قصيدة طويلة لعدي بن زيد بن حماد بن زيد العبادي التميمي. شاعر، من دهاة الجاهلين ؟؟ و
نسبه آخرون للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم   ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي
وقد شّطر أبو الوفاء قطب الدين عمر بن محمد اليافي المولود 1173هـ / 1759م  البيتين هكذا
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه  ففيه دليلٌ عنه بالطبع تهتدي
ولا بدع في وفق الطباع إذا اقتدت   فكلّ قرينٍ بالمقارن يقتدي
وإن تصطحب قوماً فصاحب خيارهم  لتصبح في ثوب الكمالات مرتدي
وجانب قرين السوء يا صاح صحبةً  ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
-------
أما هذا البيت فلم أعلم قائله
طبع الفتى يُسرَق من طبع مَن ... يصحبه فانظر لمن تصحبُ

ومثله قول المراكشي في أرجوزته في الطريق:
أختر لصحبتك من أطاعا ... أنَّ الطباع تسرق الطباعا
وفي موضع آخر يستشهد بأبي بكر الزبيدي الأندلسي ( منسوبة أيضاً إلى سيدنا علي وقيل لإبن قتيبة
الفقر في أوطاننا غربة والمال في الغربة أوطان
والأرض شيئ كلها واحد والناس إخوان وجيران
ثم إستشهد ببيتين لإبن السكيت  وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدَورقي الأهوازي البغدادي في عصر المتوكل العباسي
نفسي تروم أموراً لست مدركها ... ما دمت أحذر ما يأتي به القدر
ليس ارتحالك في كسب الغنى سفراً ... لكن مقامك في ضر هو السفر
تم انكار نسب هذه القصيدة لسيدنا علي بن ابي طالب من قبل عدد كبير من العلماء ونسبوها ل
أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار  التميمي السمعاني الخراساني المروزي ، كما تمت نسبتها إلى ذي الرمة العدواني من شعراء العصر الأموي
لا تأمننَّ من النساء ولو أخاً  ما في الرِّجالِ على النِّساءِ أَمِيْنُ
إِنَّ الأَمِيْنَ وإِنْ تَعَفَّفَ جُهْدَهُ  لا بُدَّ أَنَّ بِنَظْرَة ٍ سَيَخُونُ
القبر أوفي من وثقت بعهده  ما للنِّساءِ سِوَى القُبورِ حُصُونُ
---------
منسوب إلى إبن نباتة المصري من العصر المملوكي
رحلت إليك ركائبٌ ومدائحٌ  فإليك يقصد راغبٌ ويقصّد
سعدت بك الأرضُ التي وُلَّيتها  من بعد ما أمست بغيرك تكمد
وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها  تشقى كما تشقى الرِّجال وتسعد
---------
إبراهيم بن المهدي العباسي
هي المقادير تجري في أعنتها  فاصبر فليس لها صبرٌ على حال
يوماً تُريكَ خسيس الأصلِ ترفعُهُ  إلى العلاءِ ويوماً تخفضُ العالي
--------------
لما كان صخر أخو الخنساء يشاطرها ماله كل سنة ولامته امرأته ونهته عن إعطائه إياها خير ماله لأن زوجها متلاف قال لها صخر :
 وكيف لا أمنحها خيارها     وهي حَصانٌ قد كفتني عارها
ولو هلكت مزقت خمارها  واتخذت من شعرها صدارها
ورواية أخرى
وإن أمت تمزقن خمارها وتجعلن من شعرها صدارها
------------------


حول كتاب علم الدين

 من مواقع مختلفة بتصرف 


كتاب (عَلَم الدين) الذي ألفه (علي مبارك) من الكتب الفذة صدر عام 1882م  إذ جمع بين دفتيه العلوم والأدبَ والتاريخَ والسياحة واللغة والقصص وغير ذلك
يتكون الكتاب من أربعة مجلدات، تحتوي على مائة وخمسة وعشرين مسامرةً، ما بين سائح إنجليزي ( مجهول الأسم ولا أدري لماذا لم يجد له إسما وجعله مجهولا مُنكراً) يحب للعلم ولا سيما اللغة العربية، وبين شيخ أزهري مشارك في علوم الدين وعلوم العربية، وبينما أنت تستمتع برحلتهم إلى أوربا تتناثر أمامك المعلومات في هذه المسامرات في هذه الرحلة
والشخصيات الرئيسية في الكتاب هي الشيخ علم الدين و زوجته و ولده برهان الدين وصاحبه الإنجليزي وخادمه يعقوب
أما طريقة الكتاب فتجمع بين السهولة والسلاسة مع الأسلوب الجذاب الذي يشد القارئ فيصعب عليه تركه
ويقول بعض الباحثين: إن هذا الكتاب هو أول كتاب ألف على هذا النحو القصصي في الأدب العربي الحديث؛ لأنه سبق كتاب (حديث عيسى بن هشام) للمويلحي" صدر 1907م " وكذلك سبق كتاب (ليالي سطيح) لحافظ إبراهيم "صدر 1906م"
وأما سبب تأليف الكتاب فقد ذكره علي مبارك مقدمة الكتاب؛ إذ إن (النفوس كثيرا ما تميل على السير والقصص وملح الكلام بخلاف الفنون البحتة والعلوم المحضة)
تجد في كتاب (علم الدين) شذرات من علوم الأدب، والتاريخ، والفقه، والسياسة، وغير ذلك
كما تجد القصص الرائعة المشوقة؛ كقصة (القاتل الكسيح) وقصة (المترهبة)
وتجد كذلك معلومات عصر
علي مبارك عن كثير من الأمور؛ كالقطار، والبخار، والفنادق، والأوتيلات، والفرق بينها وبين الخانات المعروفة عند العرب، وكذلك تجد المعلومات عن السياحة والبريد والتجارة والسفن والبحار والنجوم والكواكب، وينتقل بين هذه الأمور بسلاسة عجيبة لا تشعر معها بجفاف المواد العلمية المعهود
والكتاب غرضه الأساسي تعليمي تشويقي، ولذلك تجده في سبيل تحقيق هذا الهدف يخرج كثيرًا عن البناء القصصي وما ينبغي أن يكون من أحوال الشخصيات، فمثلا لا يراعي حدود البيئة والزمان، وما ينبغي أن يعرفه أشخاص القصة من العلوم والمعارف
فمثلا: يجعل زوجة هذا العالم الأزهري عالمة بأصول البشر، والأجناس، ونشأة الأديان، ومذاهب المسيحية، والفرق الإسلامية، ومشاهير المتكلمين وغير ذلك
ومع أن الكتاب ممتع وأسلوبه جميل، إلا أنك قد تجد فيه أحيانًا بعض الأخطاء، وشيئًا من التكرار، وقد يذكر بعض المعلومات العجيبة التي لا تستند إلى أصول صحيحة، مثل ما ذكره عما قبل الطوفان وما بعده
ومن الأخطاء مثلاً: ما ذكره عن ابن رشد الفيلسوف أنه من الموصل! مع أن المعروف أنه أندلسي لم يخرج منها إلا إلى المغرب حيث مات!
وأضيف أنا أيضا من أخطائه نسبة (
من تعلم لغة قوم أمن مكرهم ) الى النبي فهو كلام صحيح في معناه ولكن لم تثبت نسبته للنبي
كما أنه يحاول جاهدًا تقريب علوم الغرب إلى العرب وكأنه يشعر بأهميتها ويشعر بعدهم الكبير عنها مع شدة احتياجهم لكثير منها، فتراه يكثر من ذكر الأسباب التي رفعت حياة الغربيين ودفعتهم إلى المنزلة التي بلغوها وجعلت لهم السيادة على غيرهم
وأيضًا يعرض كثيرًا من أحوال الحياة الاجتماعية في أوربا وما يحرصون عليه من أمور في الحركات والكلام والتنظف والملابس، وكأنه يدعو العرب للاقتداء بالأوربيين واحتذاء نمط الحياة فيها!
كما تراه يتحدث عن البحار، وعن المد والجزر، وعن الأمواج، وعن قيعان البحار، وعن أنواع الحيوان والمعادن، كما تراه يتحدث عن البراكين وتكوينها وأسبابها وأماكنها
ويهتم علي مبارك كذلك بالحديث عن المدن التي يمر عليها الشيخ الأزهري مع صاحبه الإنجليزي، كمدينة مرسيليا ومدينة الإسكندرية ويتحدث عن هذه المدن بشيء من الإسهاب.
وهكذا نجد المؤلف ينتقل من علم إلى علم، ويأخذك من فن إلى فن، ويطوف بك من خبر إلى خبر مما يتصل به أو يلابسه أو يتعلق به أو يجره إليه السياق، ويجمع فيه بين العلم القديم من الفقه والتاريخ واللغويات، والعلم الحديث من الكشوف الغربية وطبائع الحيوان والحشرات، ولا سيما كلامه الرائع عن طبائع النمل وأنواعه ونظم حياته
كما يتعرض لأشياء متنوعة ومتناثرة كالرقيق في قارة إفريقيا ومنها إلى تجارة الرقيق ويظهر سخطه من هذه التجارة، ويتعرض إلى عادات أهل إفريقيا
وبعد انتهاء الكتاب تجد أنك حصلت كثيرًا جدًّا من ألوان المعرفة، وأنواعًا مختلفة كثيرة جدًّا من العلم القديم والحديث، وحصيلة من التاريخ والقصص، وطرفا من اللغة وعلوم الشرع، وفوائد علمية عن الحياة والأدب والطبيعة، ومع ذلك لا تكاد تشعر بالملل ولا بالتعب من القراءة، بل تجد ما يحفزك ويشوقك إلى متابعة تلك الجماعة المؤلفة من الأصدقاء

وفي درب الجماميز أيضًا أنشأ علي مبارك معمل الكيمياء والطبيعة، وتعليم البنات

 وفي درب الجماميز أيضًا أنشأ علي مبارك معمل الكيمياء والطبيعة، وهو بمثابة متحف علمي حي يتيح العلم التفاعلي لهواة العلم والمعرفة ، وفتح أبواب هذا المعمل للتلاميذ حتى يكونوا على صلة دائمة بالتطورات العلمية الحديثة وكان ذلك بعد إنشاء الكتبخانة
لكن يبقى الأهم فى مشوار «مبارك» هو تحقيقه حلم إنشاء المدرسة السنية أو مدرسة السيوفية لتعليم الإناث . رغم أنها لم تكن المحاولة الأولى ؛ فقد سبقتها محاولة للبابا كيرلس الرابع (1854 - 1861م) ، الذى أنشأ أول مدرسة لتعليم الإناث فى الأزبكية وأخرى فى حارة السقايين ، لتدريس اللغات الأجنبية والعلوم والآداب والفنون وأعمال الحياكة والطبخ .لكن الكثيرين من الأهالى هاجموه
وظل التعليم غير شائع بين الفتيات حتى جاءت جشم آفت هانم زوجة إسماعيل وأنشأت مدرستها ، وسواء كانت فكرة إنشاء المدرسة قد نبتت فى رأس جشم هانم أو أن الخديو إسماعيل هو من أوعز لها بها ، فإن على باشا مبارك هو صاحب الفضل فى تنفيذ الفكرة وترجمة دعوة رفاعة الطهطاوى لتعليم الفتيات فى كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين 1872م»  فبعده بعام واحد أنشئت «مدرسة السيوفية» فى سراى الأمير طاز بالسيوفية وعُرفت عام 1891م باسم المدرسة السنية وتخرجت فيها أبرز رموز المجتمع، ومنها خرجت أول مظاهرة نسائية عام 1919م
------------
مؤلفاته
ترك علي مبارك مؤلفات كثيرة تدل على نبوغه في ميدان العمل الإصلاحي والتأليف، فلم تشغله وظائفه على كثرتها وتعدد مسئولياتها عن القيام بالتأليف، وتأتي “الخطط التوفيقية” على رأس أعماله التي
مثلت ريادته للكتابة الموسوعية ، ولو لم يكن له من الأعمال سواها لكفته ذكرًا باقيا، وأثرًا شاهدًا على عزيمة جبارة وعقل متوهج، وقلم سيّال، يسطر عملاً في عشرين جزءًا يتناول مدن مصر وقراها من أقدم العصور إلى الوقت الذي اندثرت فيه أو ظلت قائمة حتى عصره، واصفًا ما بها من منشآت ومرافق عامة مثل المساجد والزوايا والأضرحة والأديرة والكنائس وغير ذلك.
وله كتاب
الشيخ “علم الدين” الذي قام برحلة مع إنجليزي الى بلده  وهو موسوعة ضخمة حوت كثيرًا من المعارف والحكم، ويقع في أربعة أجزاء، تحوي على 125 مسامرة، كل واحدة تتناول موضوعًا بعينه كالبورصة، والنحل وأوراق المعاملة، والهوام والدواب
وإلى جانب ذلك له كتب مدرسية منها: تقريب الهندسة، وحقائق الأخبار في أوصاف البحار، وتذكرة المهندسين، والميزان في الأقيسة والمكاييل والموازين
وهو سيرته الذاتية أو ما تقبلناه وتناقلناه على أنه سيرته الذاتية: (علم الدين)
------------------
( حول علي باشا مبارك بيته في الحلمية الجديدة إلي ناديًا ثقافيا عجيب الشأن يقول عنه عبد العزيز باشا فهمي
(( كنت يومًا في بيت علي باشا مبارك، والناس تموج في بيته، الحُجر مزدحمة بالزوار، وعلي باشا يتصدر حجرة منها، فحضر مصطفى باشا رياض وكان ناظر النظار إذ ذاك، فأخذ يخوض في الناس حتى وصل إلى علي باشا مبارك فقال له:
 «ما هذا يا باشا؟» فقال له: «يا دولة الرئيس أنا في بلد يهاب الناس فيه أن يخاطبوا معاون إدارة أو مأمور مركز أو أي موظف حكومي، فإذا نحن جرأناهم علينا وعلينا وخاطبناهم، وخاطبونا، وأمكنهم أن يخاطبوا الموظفين في غير هيبة، وتعودوا أن يطالبوا بحقوقهم، وقالوا: أنا نجالس الناظر (الوزير) ونخاطبه، فلم لا نخاطب من هو أقل منه منزلة؟))) نشر فيس
----------------------
نشر فيس في 11/6
لم يشترك علي مبارك في الثورة العرابية؛ فمزاجه ليس ثوريًا عكس مزاج الشيخ جمال الدين، الثوري العنيف ، وكان مبدؤه الطاعة التامة لولي الأمر، مهما كان رغم أنه لم يتعلم في الأزهر
أطاع عباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق، وخدمهم في إخلاص، وكان يرى إن إصلاح التعليم أفضل من الإصلاح السياسي، ويرى أن الإصلاح السياسي ما لم يرتكز على الإصلاح التعليمي فلا بقاء له ولا قيمة
ولقد اتهم كثير من عقلاء الأمة بمشايعة عرابي باشا، كعبد الله باشا فكري والشيخ محمد عبده، وغضب عليهما الخديوي توفيق، ولكن لم يتهم علي باشا مبارك في شيء ما، ولم يفقد رضا توفيق باشا وعطفه
وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر تألفت وزارة مصطفى رياض باشا وعهد فيها إلى علي مبارك بنظارة المعارف، ولكن كان قبل الاحتلال حرًا طليقًا يفكر كما يشاء ويفعل ما يشاء ويدبر المال لمشروعاته كما يشاء ، وبعد الإحتلال فهوليس حرًا ولا طليقًا ولا يفكر إلا إذا سمح له المستشار الإنجليزي بالتفكير وإصطدم خاصة بالقيود المالية التي وضعها مستشار المالية
يقول عن هذه الحقبة: "وأنا الآن قائم بهذا الأمر على حسب المصالح، بقدر الإمكان، والله المستعان"
د محمد الجوادي في مدونته في موقع الجزيرة كتب
(علي مبارك هو الذي حول مدرسة الطب من النظام الفرنسي إلى النظام البريطاني على عكس ما كان متوقعا من مثله، ولا تزال تلك المدرسة على عهدها باللغة الإنجليزية منذ ذلك الحين)
أي أنه لم يستكمل تعريب الطب الذي بدأه الطهطاوي وجعل الطب بالإنجليزية فهل ذلك له علاقة بالإحتلال الإنجليزي لمصر؟
--------------
تزوج ثلاث مرات الأولى مصرية والثانية تركية والثالثة يعتقد أنها حبشية إذ لم يذكر هويتها فى كتابه "حياتي"
حسب دراسة إبراهيم البيومى غانم عن الأوقاف الخيرية فقد تبين أن الباشا علي مبارك كان يمتلك 330 فدانا ، منها 300 فدان قد منحها له عباس باشا، و30 فدانا اشتراها من حر ماله، وأن الباشا ترك 30 فدانا كميراث مشترك بين ذريته
.بينما أوقف 300 فدان ، وهو وقف مشترك ما بين أهلى وخيرى
وأنقل من بوابة الأهرام الجمعة
23 من جمادي الآخرة 1445 هــ 5 يناير 2024 السنة 148 العدد 50068 من مقال سهير عبد الحميد
ولاء للخديو أم خيانة لعرابى؟
أأخون إسماعيل فى أبنائه  ولقد ولدت بباب إسماعيلا
هكذا رد أحمد شوقى أمير الشعراء حين لامه البعض على إخلاصه الشديد لكل من جلس على عرش البلاد من ذرية إسماعيل، وأعتقد أن على باشا مبارك ينطبق عليه الموقف نفسه، فقد كان بمثابة الذراع اليمنى للخديو إسماعيل وربطته بابنه توفيق علاقة قوية جعلته ينسب مؤلفه الأهم «الخطط» إلى توفيق ليعرف باسم «الخطط التوفيقية» . لذلك اتخذ على باشا مبارك موقفًا مؤيدًا للخديو توفيق ، فاعتبر البعض موقف الباشا خيانةً لعرابى بينما رآه بعض المؤرخين موقفًا طبيعيًا لرجل دولة رأى فى ثورة عرابى مجرد عصيان يفت فى عضد البلاد.
--------------
يرى بعض المؤرخين أن الخديو توفيق استخدم على باشا مبارك ، لبث الفتنة فى صفوف عرابى وصحبه فأرسل إليه على باشا مبارك يقترح تشكيل لجنة للصلح ممن ينتدبهم عرابى من رؤساء الجند لتنضم إليهم لجنة أخرى من الأعيان
ويورد المؤرخ محمود الخفيف فى مؤلفه «عرابى الزعيم المفترى عليه» بعض المراسلات بين كارتريت نائب قنصل الإسكندرية وجرانفل وزير خارجية بريطانيا أثناء اشتعال الأحداث ورد فيها اسم على باشا مبارك بوصفه قد نقل بعض الأخبار عن عرابى إلى الإنجليز خصوصا عن علاقته غير المتينة بالبدو:
(أبرق كارتريت إلى جرانفل فى الرابع والعشرين من يوليو يقول : أتشرف بإبلاغكم أن على باشا مبارك وزير الأشغال السابق فى وزارة رياض نجح فى الوصول إلى الإسكندرية من القاهرة، كان يسود الهدوء فى القاهرة وقت مغادرته إياها ولكن هناك قدر من القلق بين الناس وعند كفر الدوار رأى عرابى باشا وهو يصف وصفًا حيًا ما رأى هناك من الأمور .
أعلنت الحرب المقدسة بتأثير الشيوخ ويأتى إليه أعداد كبيرة من المتطوعين القرويين ويوزع السلاح على القادمين ويبلغ المجموع الكلى للقوات الآن 30 ألف رجل، وتتوافر لديه الأقوات والخيل . ويقول ضباط عرابى: إن رغبة انجلترا هى طرد عرابى باشا نفسه وتسريح .الجيش ، وتكوين فرق أجنبية أو تركية تحل محله ولكن هذا لن يكون . ويقول على باشا مبارك : إن العلاقات بين عرابى والبدو ليست متينة وقد علمت من مصدر آخر أن البدو اعتزلوا معسكره كلية).
وفى رسالة أخرى نقرأ كيف اقترح على باشا مبارك خطة سيكون من شأنها تفريق العصاة وتشتيت شمل الجيش وهو ما تضمنته برقية فى اليوم التالى كتبها كارتريت:
« إن معظم الضباط وفيهم طلبة يتلهفون إلى ضمان سلامتهم وإنهم إذا نجحوا فى الحصول على شروط لأنفسهم بانسحابهم عن عرابى فإنه وأشياعه الأقربين مهما يبدو من إصرارهم سوف يضطرون فى عزلتهم إلى طلب الصلح ويعتقد أنه بهذا يمكن بعثرة الجيش وبذلك تنتهى المقاومة. وأكد له سير كلفن ثانية أن كل مقاومة سوف لا تجدى وأنه لا يترتب على أعمال التحطيم إلا خراب مصر .وانصرف على باشا مبارك مصممًا أن يتصل بطلبة باشا»
وقد رفض عرابى اقتراح الصلح وأذاع داخل البلاد بيانا جاء فيه «وها نحن بجيشنا المظفر المنصور فى مراكز الحرب قد بعنا أنفسنا فى حياة بلادنا ولا يردنا عن ذلك إلا الظفر أوالنصر أو ارتحال العدو من مياه الإسكندرية بأساطيله ورجاله»
العصيان
لم ينكر على باشا مبارك موقفه من العرابيين ولم يجد فى ذلك أية غضاضة ، بل لقد رأى أن تلك الثورة العارمة إنما حركها الحقد على نجاح الوزارة:
«كانت هيئة النظارة سائرة فى الطريق الجادة ناشرة ألوية العدل والتسوية بين القوى والضعيف والرفيع والوضيع، فاستوجب ذلك إثارة الحقد فى صدور أرباب الأغراض فتقولوا على هذه الهيئة وطعنوا فيها»
ويرى «مبارك» أن «عرابي» قاد هذا العصيان مطالبا بإقالة عثمان باشا رفقى من نظارة الجهادية : «وغير ذلك مما يخرج عن حدود وظائفهم...، فانعقد لذلك مجلس النظار تحت رئاسة المرحوم الخديو توفيق، وانحط الرأى على عقد مجلس من الأهليين وبعض أمراء العسكرية للنظر فى أمرهم والحكم فيهم بما تقتضيه قوانين الجهادية وتعهد ناظر الجهادية بأن لا ينجم عن ذلك خطر ولا ضرر فانعقد ذلك المجلس بقصر النيل وجلبوا إليه لمحاكمتهم فقام جمع من الضباط والعساكر وهجموا على قصر النيل وأهانوا من بالمجلس وأخذوا العرابى ومن معه بالقوة على حسب عهد كان بينهم ، فكان ذلك أول التظاهر بالعصيان والخروج عن طاعة الحكومة وشاعت هذه النازلة حتى وصل خبرها إلى البلاد الأجنبية فجمع الخديو المرحوم توفيق النظار وأعيان الأمراء وتفاوضوا فى إطفاء هذه الفتنة فتقرر تغيير ناظر الجهادية وإجابة العسكر إلى مطلوبهم والإغضاء عما حصل منهم لما تبين من عدم وجود قوة تحت يد الحكومة ترد جماحهم فلم ينقطع الشر بذلك بل تمادوا على العصيان».
-------
 وفاته
كانت نظارة المعارف في وزارة رياض باشا آخر مناصب علي مبارك، فلما استقالت سنة (1309هـ/ 1891م) لزم بيته، ثم سافر إلى بلده لإدارة أملاكه، حتى مرض، فرجع إلى القاهرة للعلاج، فاشتد عليه المرض حتى وافته المنية في (5 من جمادى الأولى 1311هـ/ 14 من نوفمبر 1893م).