الأربعاء، 10 يونيو 2026



علي باشا مبارك و نشأة "دار العلوم" (الجمع بين الثقافة العامة والتعليم النظامي)
بدأت الفكرة عام 1871م بتخصيص قاعة مدرجة للمحاضرات العامة (الإنفتياتر) في كتبخانة درب الجماميز؛ لجمع العلوم النظرية (أدب ودين) والتجريبية (فلك، نبات، طبيعة، هندسة سكة حديد) بمشاركة كبار العلماء المصريين والأجانب.
المدرسة النظامية (1872م): بعد إقبال طلاب الأزهر عليها حوّلها علي مبارك إلى مدرسة نظامية لتخريج معلمي لغة عربية أكفاء يجمعون بين علوم الدين والدنيا. وافق الخديوي إسماعيل على مقترحه بانتخاب نجباء طلاب الأزهر (بين 20-30 سنة) برواتب وطعام مدعوم من الأوقاف، وتخرجت أولى دفعاتها عام 1873م.
 إحياء التراث والثقافة العامة
 دار الكتب (الكتبخانة الخديوية): أسسها الخديوي إسماعيل عام 1870م بناءً على طلب علي مبارك، حيث جمع المخطوطات والكتب النفيسة المشتتة في المساجد لحمايتها من السرقة والتلف، وأسسها بسراي درب الجماميز على نمط دور الكتب الأوروبية، قبل أن تنتقل لباب الخلق عام 1904م.
مجلة "روضة المدارس" (1870م): أقدم المجلات الثقافية العامة في العالم العربي؛ تأسست لإحياء الآداب ونشر المعارف الحديثة، تولى الخديوي إسماعيل إنشائها، ورأس تحريرها "علي فهمي بك" (ابن رفاعة الطهطاوي) وتحت نظارة رفاعة بك نفسه، وكان علي مبارك أحد أبرز محرريها.
امتداد الفكرة وتطور الأزهر الشريف
 نالت فكرة دار العلوم إعجاب الشيخ محمد عبده الذي شارك بالتدريس والامتحانات فيها، بينما فشلت محاولاته اللاحقة لإدخال العلوم الحديثة (كالجغرافيا والحساب) في الأزهر نفسه بسبب مقاومة المحافظين والمعارضة السياسية وقتها.
التحول لجامعة: غُرست بذرة تحول الأزهر لجامعة حديثة عام 1930م (عهد الشيخ الأحمدي الظواهري) بإنشاء كليات الشريعة وأصول الدين واللغة العربية. وفي عام 1961م (عهد الشيخ محمود شلتوت والرئيس جمال عبد النصر) صدر القانون رقم 103 ليصبح الأزهر رسمياً جامعة تدمج الكليات المدنية (طب، هندسة، زراعة) إلى جانب الكليات الشرعية.
تُمثّل دار العلوم منذ نشأتها الجسر الذي عبرت منه عناصر الحضارة والعلوم الحديثة إلى العقل المصري والعربي، متجاوزةً دورها كمنارة لتعليم اللغة العربية لتصبح "أكاديمية تربوية وإصلاحية" متكاملة. ورسّخت الدار (بمؤازرة روادها كـ علي مبارك) مفهوم كرامة النفس للتلاميذ ومنع الضرب والإهانة باعتبارهما هادمي التربية الصحيحة.
دار العلوم ليست مجرد كلية تمنح شهادة، بل هي اتساق فكري متزن يرفض الانفلات التام نحو الحداثة أو الانغلاق الأعمى في الماضي، بل يفيد من التحديث مع التمسك بالتراث، لتسير كالنهر.. بطيئة ولكنها متجددة
 معالم التطور التاريخي لدار العلوم
 تكامل المنهج (1875م): طُبِع أول منهج دراسي رسمي وشمل موازنة فريدة بين العلوم الدينية والشرعية، والعلوم الأدبية واللغوية، والعلوم التجريبية الحديثة (كيمياء، طبيعة، هندسة، جغرافيا، حساب).
الانفتاح اللغوي (1885م): ضُمَّ "قلم الترجمة" (مدرسة الألسن سابقاً) للدار، فأتيح للطلاب دراسة الفرنسية أو الإنجليزية حسب رغبتهم.
تطوير الأزهر غير المباشر (1924م): طالب الأزهريون بإلغاء الدار وقصر تدريس العربية عليهم؛ فاشترطت الحكومة لقبول طلاب الأزهر بالدار تعديل نظام التعليم الثانوي الأزهري ليقترب من مناهج المدارس التجهيزية، مما أسهم في تحديث الأزهر نفسه.
عصر العصرنة والجامعة (1926م - 1952م):
غير الطلاب زيهم التقليدي (العمامة والجبة) إلى الزي الإفرنجي (1926م)، ونالوا لقب "أفندي" رسمياً بدلاً من "شيخ" (1927م).
التحول لكلية جامعية (1946م) ضُمَّت رسميّاً لجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليّاً) لتمنح درجة الليسانس بعد 73 عاماً كمدرسة عليا مستقلة.
 قبول الطالبات (1952م): فُتحت أبواب الكلية للمرأة مع مطلع نهضة يوليو ليشارك رجالها ونساؤها في بعث وتجديد الأدب العربي والتنقيب في ثنايا القديم لصياغة صروح الجديد.
 رواد التحديث المعرفي (قنوات التوصيل للحضارة الحديثة)
أنجبت دار العلوم نخبة صاغت المؤلفات التأسيسية الأولى باللغة العربية في شتى العلوم الحديثة:
علوم التربية والنفس:
 حسن توفيق العدل: درس في ألمانيا، وألّف أول كتاب عربي في علم أصول التدريس (كتاب البيداجوجيا Pedagogy).
 محمد شريف سليم: درس في فرنسا، ووضع أول كتاب في "علم النفس" باللغة العربية.
الجغرافيا والاقتصاد: عبد الرحيم أحمد بك أسس لجنة تأليف الكتب العربية (أغلبها من أبناء الدار) والتي أصدرت أول "أطلس جغرافيا" معرب ومصنفات في إمساك الدفاتر.
المنطق والتأهيل الملكي: محمد حسنين عبد الرازق درس في إنجلترا، واختير معلماً لولي العهد (الملك فاروق)، وألّف "علم المنطق الحديث" ليجمع فيه لأول مرة بين منطق أرسطو القديم ومنطق فرنسيس بيكون الحديث.
تقنين الشريعة وتحديث الفقه: برز محمد زيد الإبياني (شرح كتاب قدري باشا في 3 مجلدات عام 1904م) لتقنين الأحكام الشرعية لطُلاب الحقوق على هيئة مواد قانونية، ونال وسام "جوقة الشرف" الفرنسي.
لم يقتصر دور خريجيها على النخبوية، بل شكلوا جيشاً من المعلمين في قرى ومدن مصر؛ طبقوا نظريات علم النفس والتربية، ومنهم الشيخ فخر الدين محمد (أستاذ العقاد في الابتدائي) الذي حارب الحفظ والتلقين وحوّل درس التاريخ لغرس للوطنية في أوج الاحتلال.
استثارة العقل: قدم الشيخ طنطاوي جوهري نموذجاً فريداً للعلاقة بين الأستاذ والتلميذ خارج أسوار المدرسة مستثيراً العقل والبحث (على طريقة سقراط).
الإصلاح الاجتماعي: امتد أثرهم للميدان المدني مثل عبد العزيز جاويش الذي أسس جماعة "المواساة الإسلامية" بالأسكندرية عام 1910م والتي أثمرت بناء مستشفى المواساة الجامعي..
 إمداد وتأسيس الجامعات المصرية والعربية
عند تأسيس الجامعة الأهلية (1908م) ثم الحكومية (1925م)، استعانت كليات الآداب والحقوق بأعلام دار العلوم لتأسيس أقسام الأدب والتاريخ والفلسفة الإسلامية والشريعة (بعد فشل الأجانب في تدريسها)، ومنهم:
    في الآداب والحقوق (جامعة القاهرة): حفني ناصف، محمد الخضري، أحمد أبو الفتح، إبراهيم مصطفى، مصطفى السقا، وأحمد الشايب.
    في جامعة فاروق (الإسكندرية): محمد خلف الله، عبد السلام هارون، وإبراهيم اللبان.
وضع أساتذة الدار لاحقاً أدق المناهج الجامعية ببنية عقلية ومنطقية واضحة في كافة التخصصات:
النحو واللغويات        عباس حسن / إبراهيم أنيس / تمام حسان     النحو الوافي / الأصوات اللغوية / اللغة العربية: معناها ومبناها
النقد والأدب الحديث   محمد غنيمي هلال / أحمد هيكل / الطاهر مكي  النقد الأدبي الحديث والأدب المقارن / الأدب الأندلسي / مصادر الأدب
الشريعة الإسلامية      علي حسب الله / مصطفى زيد      أصول التشريع الإسلامي / النسخ في القرآن الكريم
الفلسفة وعلم الكلام    إبراهيم مدكور / محمود قاسم / حسن شافعي في الفلسفة الإسلامية / المنطق الحديث ومناهج البحث / المدخل إلى علم الكلام
التاريخ السياسي الإسلامي ضياء الدين الريس / أحمد شلبي والنظريات السياسية والإسلامية / موسوعة التاريخ والحضارة الإسلامية
كانت دار العلوم ممتدة الأثر إلى مجالات فكرية وأدبية وعلمية جعلتها كـ "كرة الثلج" تزداد ضخامة وتأثيراً مع مرور الزمن، متجاوزة حدود التعليم التقليدي لتصبح ركيزة أساسية للنهضة الثقافية الحديثة.
ميدان تحقيق التراث العربي والإسلامي
أسهم أبناء الدار في إصدار أمهات الكتب التراثية بإصدارات علمية حديثة تعتمد على مقابلة النسخ المخطوطة، وتخريج النقول، وشرح الغامض، ووضع الفهارس، ومن أبرز هذه التحقيقات:
    عبد السلام هارون (صاحب السمعة العالمية): حقق للجاحظ كتب "الحيوان"، "البيان والتبيين"، و*"الرسائل"*.
    علي عبد الواحد وافي: تحقيق "مقدمة ابن خلدون".
    محمود قاسم: تحقيق "مناهج الأدلة" لابن رشد.
    أبو العلا عفيفي: تحقيق وشرح "فصوص الحكم" لابن عربي.
    حسن الشافعي: تحقيق "غاية المرام في علم الكلام" للآمدي.
    تحقيقات لغوية وشعرية: شملت "كتاب المحتسب" لابن جني (تحقيق علي النجدي)، "اللمع" لابن جني (تحقيق حسين شرف)، و*"ديوان طرفة بن العبد"* (تحقيق علي الجندي)، و*"طبقات الشافعية"* (تحقيق محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو)، بالإضافة إلى جهود إبراهيم الأبياري العالمية في هذا الميدان.
 ميدان الترجمة ونقل العلوم الغربية
تميز أبناء الدار بتمكنهم من العربية وإجادتهم للغات الأجنبية، فكانوا سباقين لتعريب المصطلحات ونقل الدراسات الاستشراقية وعلوم النفس والاجتماع، ومن أبرز ترجماتهم:
    عبد الصبور شاهين: ترجمة كتاب "دستور الأخلاق في القرآن" لدراز.
    محمود قاسم: ترجمة "التطور الخالق" لبرجسون، و*"قواعد المنهج في علم الاجتماع"* لدوركايم.
    حسن الشافعي: ترجمة "تطور الفكر الفلسفي في إيران" لمحمد إقبال.
    تمام حسان وكمال بشر وأحمد مختار: ترجموا على التوالي: "الفكر العربي ومكانه في التاريخ"، "دور الكلمة في اللغة"، و"أسس علم اللغة".
    الطاهر مكي وأحمد درويش: ترجما "ملحمة السيد" و*"بناء لغة الشعر".
 إثراء الحياة الأدبية والمجامع اللغوية
رفدت الدار الساحة الأدبية بفحول الشعراء والأدباء عبر الأجيال؛ (مثل: علي الجارم، محمد عبد المطلب، محمود حسن إسماعيل، فاروق شوشة، وحامد طاهر)، وكان رصيف الكلية قبلة لشعراء الجامعة. وفي الرواية برز (محمد عبد الحليم عبد الله، وأبو المعاطي أبو النجا).
مجمع اللغة العربية: ظهر أثر الدار جلياً برئاسة الدكتور إبراهيم مدكور للمجمع (وهو خريج الدار عام 1927م)، فضلاً عن انضمام أكثر من 30 عضواً من خريجيها للجان وضع المعاجم وتطوير أساليب العربية.
عوامل نجاح دار العلوم في أداء رسالتها
تلخصت عبقرية الدار عبر القرن العشرين في ثلاثة عناصر رئيسة:
 المنهج المتكامل: الذي زاوج بتنوع وتكامل بين العلوم اللغوية والأدبية، والعلوم الإسلامية، والعلوم الحديثة (كالتربية وعلم النفس).
 الاصطفاء الدقيق للطلاب: باختيار نجباء الأزهر عبر مسابقة تراعي المظهر، وسلامة النطق، وسعة الأفق، لمنحهم اللمسة العصرية والتصنيفية.
 سياسة "التطعيم" الأكاديمي: بإرسال المتفوقين في بعثات لجامعات أوروبا (إنجلترا، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا)، ليعودوا مزودين بالمنهج العلمي الحديث، فيحدث تمازج فريد بين التراث الأصيل وأحدث نظريات العصر.
 واقع الدار المعاصر وهويتها
    التحديات الحالية: تواجه الدار صعوبات وقلة إمكانيات؛ حيث لم تمس مناهجها بالتطوير منذ أكثر من 60 عاماً، وهي بحاجة لإعادة تفعيل الاختيار الدقيق لطلابها بالتطوع لا بالتجنيد (كما اشترط علي مبارك)، مع ضرورة زيادة اتصال أساتذتها بالمراكز البحثية والجامعات في أوروبا وأمريكا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق