الخميس، 18 يونيو 2026

دار العلوم

 نقتبس من ا. د حامد طاهر :
فخصص قاعة مدرجة للمحاضرات العامة
«الإنفتياتر AMPHETHEATRE »، وأطلق على هذه القاعة اسم "دار العلوم"، وبدَأ العمل بها في يوم 6 مايو سنة 1871م
.وكان هذا المدرج في كتبخانة درب الجماميز يحضرها من شاء من "كِبار موظَّفي الحكومة، ومُوظَّفي نظارة المعارف ومُدرِّسيها، وطلبة المدارس العالية، وفريق من طلبة الأزهر"
 يحاضر فيها كبار الأساتذة من مصريين وأجانب، فيحاضر مثلًا الشيخ حسين المرصفي في الأدب وإسماعيل بك الفلكي في الفلك والشيخ عبد الرحمن البحراوي في الفقه،و الشيخ أحمد المرصفي في التفسير والحديث ومسيو هنري بروكش في التاريخ العام وأحمد ندا في النبات، ومسيو بكتيت لعلوم الطبيعيات والمسيو فيدال لفن السكة الحديد وكان أحدث علوم العصر وقتها
 فإذا حاضر محاضر باللغة الأجنبية ألقيت محاضرته بعد ذلك باللغة العربية  من خلال المترجمين
أي كان نظامها الجمع بين عُلوم الأدب والدِّين
(النظريَّة) وبين علوم الطبيعة والفلك والنبات (التجريبيَّة
 وهذه المحاضرات يومية عدا الجمعة، وكل محاضرة ساعة أو ساعة ونصف ساعة، وبعض الموضوعات محاضرتان كل أسبوع وبعضها محاضرة واحدة
أي أن علي مبارك وجد طلاباً من الأزهر يرغبون في العلوم الحديثة ومدرسين يحاضرون في الدين والأدب ، فتشجع علي مبارك في تحويلها الى مدرسة نظامية يتلقَّى فيها الطلاب مجموعةً محدَّدةً من العُلوم، تُؤهِّلهم للقِيام بمهمَّة التدريس فيما بعدُ ، وشجع حضور عدد كبير من طلاب الأزهر علي مبارك على المبادرة بإنشاء المدرسة النظاميَّة
 ورفَع التماسًا إلى الخديو إسماعيل في 30 يوليه سنة 1872م عرض فيه فكرته بإنتخاب خمسين من نُجَباء الطَّلبة يُؤخَذون من الجامع الأزهر من سِنِّ العشرين إلى الثلاثين، و فيهم الأهليَّة واللياقة، ويدرس لهم في دار العلوم المُلحَقة بالكتبخانة العامرة بما يلزمُ لتكميل مَعلوماتهم واستِعدادهم لأداء وظيفة التعليم وحُسن التربية على الوجه المطلوب
 ويحضرون جميعَ الدُّروس التي تُلقَى إليهم، فإنَّه بهذه الوساطة يمكن الاستحصال على ما فيه الكفاية من المعلِّمين للغة العربيَّة والتركيَّة، ويُؤخَذ منهم لجهات أخرى حسب الاقتضاء
وجُعِل لهم مرتَّب شهري يستعينون به على الكسوة وغيرها من النَّفقات، ورُتِّبَ لهم طعام في النهار للغداء، وجُعِلَ الصرف عليهم من طرف الأوقاف
وافق الخديو إسماعيل على تنفيذ فكرةِ علي مبارك بكلِّ تَفاصِيلها، وبدَأ العمل في مدرسة دار العلوم سنة 1872 م بـ 32 طالبًا، وخمسة مدرسين، منهم ثلاثةٌ من عُلَماء الأزهر، وقد استَمَرَّ عدد الطلبة أقل من خمسين حتى سنة 1882 حيث بلَغ 56 طالبًا
ونظَرًا لعدم وُجود منهج
مُوزَّع على سَنوات دراسيَّة محدَّدة، فقد كان من الممكن أنْ يتخرَّج طلابها بعد عامٍ واحد، إذا حصَّلوا ما عليهم من موادَّ دراسيَّة، وكان أوَّل مَن تخرَّج فيها سنة 1873 الشيخ محمد عبدالرؤوف والشيخ إبراهيم السمالوطي، عُيِّنَ الأول بمدرسة بني سويف، والثاني بمدرسة المنيا
نرى بوضوح أن علي مبارك كان يهدف إلى
"تحديث التعليم في مصر"، وللوصول إلى هذا الهدف كان عليه أنْ يُكوِّن المعلِّمين الذين يصلحون لأداء هذه المهمَّة، ولم يكن هناك سوى الأزهر،
و كانت فكرة دار العلوم هي الحلَّ الأمثل للجمْع بين القديم والجديد، دون أنْ يضيع الوقت والجهد في الاشتباك مع أصحاب القديم، بل على العكس؛ لقد مَدَّ يدَه إليهم طالبًا العون فجاء علماء الأزهر للتدريس فيها
----------------
((( كان محمد عبده من أشدِّ المعجبين بفكرة دار العلوم التي استَحدَثَها ونفَّذَها علي مبارك، وقد شارَك في هيئة التدريس بها فترةً من حياته، وأسهَمَ في امتحاناتها بعض السَّنوات
وعندما حاول الشيخ محمد عبده (ت 1905م) إصلاحَ الأزهر عن طريق تعديل بعض موادِّه التعليميَّة، وإدخال بعض العلوم الحديثة إليه كالحساب والجغرافيا،  قاومه الأزهريون وفشل في محاولته
يقول الشيخ محمد عبده ( إني بذرت في الأزهر بذرا إما أن ينبت ويثمر ويؤتي أكله المغذي للروح والعقل فيحيا به الأزهر حياة جديدة، وإما أن يقضي الله على هذا المكان قضاءه الأخير)
هل كان الأزهر وقتها يحتاج الى مرسوم من الخديوي بتحديثه ؟؟ نعم ولكن وقف الخديوي واللورد كرومر في المعارضة
لكن بذرة تحوُّل الأزهر إلى «جامعة» غُرست عام 1930م فى عهد الإمام محمد الأحمدى الظواهرى  حيث تم إنشاء ثلاث كليات هى «أصول الدين
» و«الشريعة» و«اللغة العربية»
في عهد الإمام محمود شلتوت أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 22 من المحرم عام  1381هـ / 5 يوليه سنة 1961م القانون رقم 103 / 1961م الذى بات الأزهر بمقتضاه «جامعة»، بعد أن أضيفت إلى كلياته الثلاث المذكورة كليات مدنية، مثل «الهندسة» و«الطب» و«الإدارة» و«الزراعة» و«البنات»)))
--------------
يقول الشيخ محمد عبده أن علي مبارك كان صاحبَ الفضل في إصدار القانون الذي يمنعُ ضرب التلاميذ، أو تربيتهم بالإهانة والقسوة، وجعل التلميذ مقرونًا بكرامة النَّفس التي هي قوام التربية الصحيحة
كانت دار العلوم هي المركز الثامن للتعليم المصري في عهد محمد عبده وهذه المراكزهي المدارس الأميريَّة، والمدارس الأجنبيَّة، والجامع الأزهر، والكتاتيب الأهليَّة، والمكاتب الرسميَّة الابتدائيَّة، والمدارس التجهيزيَّة، والعالية، ومدرسة دار العلوم
أهم معالم التطوُّر في تاريخ دار العلوم
في عام 1875م طُبِعَ أوَّل منهج دِراسي لها، واشتملَتْ علومُها فيه على: التفسير، والفقه، والعلوم الأدبيَّة (نحو وصرف وعروض وتاريخ أدب ونصوص)، والتاريخ العام، والجغرافيا، والحساب، والهندسة، والكيمياء، والطبيعة، والخطوط
تحوَّلت مدرسة الألسن إلى قلم الترجمة عام 1885 م ، وضُمَّ إلى دار العلوم، ومنذُ ذلك الحين أصبح تعلُّم إحدى اللغتين (الإنجليزيَّة والفرنسيَّة) مُتاحًا لطلاب دار العلوم حسَب رغبتهم
------------------
قام الأزهريُّون عام 1924م يُطالِبُون بإلغاء دار العلوم، وأنْ تكون وظائفُ تدريس اللغة العربيَّة مقصورةً عليهم وحدَهم، وكان حَلُّ الحكومة أنْ يسمح للحاصلين على الثانويَّة الأزهريَّة بالالتحاق بدار العلوم، بعد امتحان مسابقة، وبشرط أنْ يتمَّ تعديلُ نظام التعليم الثانوي بالأزهر؛ لكي يقتربَ من منهج التجهيزيَّة التي تُؤهِّل لدار العلوم، وبذلك أسهَمتْ دار العلوم بطريقٍ غير مباشر  في تطوير التعليم بالأزهر نفسه
قرَّر طُلاب دارِ العلوم 1926م تغييرَ زِيِّهم التقليدي (الجبَّة والقباء والعمامة) وارتداء زيِّهم الإفرنجي، وقد نجحوا في ذلك بعدَ الدُّخول في معركةٍ طريفةٍ مع كلٍّ من إدارة المدرسة والحكومة
 وفي العام التالي صدَر قَرارٌ وزاري بتَلقِيب طلبة وخِرِّيجي دار العلوم بلقب (أفندي)، بعد أنْ كانوا يُلقِّبون رسميًّا بلقب (شيخ)
 صدَر قانون ضم دار العلوم إلى جامعة فؤاد الأوَّل عام1946 م وتحويلها إلى كليَّة جامعيَّة تمنحُ درجة الليسانس (بدلاً من الدبلوم) بعد أنْ قضت 73 عامًا وهي تُؤدِّي رسالتها كمدرسةٍ عُليَا مستقلَّة
----------------------
تَمَّ قبول الطالبات بالكليَّة عام 1952م
في بداية عهد ثورة يوليو 1952م يقول سعد اللبان، خِرِّيج دار العلوم ووزير المعارف: "لقد اضطلعت دار العلوم برسالتها العلميَّة والأدبيَّة في مُستهلِّ هذه النهضة، وحملت مهمَّة البعث والتجديد في تاريخ الأدب العربي
 فبدأ رجالها بالتنقيب في ثنايا القديم وأطلاله، وجمعوا من كُشوفهم هنا وهناك مادَّةً شادوا منها صُروح هذا الجديد، فكان يُغرِيهم دائمًا بالاتِّجاه إلى الجديد، وكان التجديد والتطوير واضِحًا في كلِّ ما صاغُوه من ذلك القديم.. وهكذا كان البعث كامِنًا في رسالة دار العلوم
"
------------
و دار العلوم كان لها دورٌ آخَر، لا يقلُّ عما سبق خَطَرًا وأهميَّة، فقد كانت قناةً جيِّدةَ التوصيل، عبرتْ منها عناصر حقيقيَّة من الحضارة الغربيَّة الحديثة إلى مصر
.
يُذكَر اسمُ حسن توفيق العدل خريج دار العلوم سنة 1887م الذي سافَر إلى ألمانيا ليقوم بتدريس اللغة العربيَّة بالمدرسة الشرقيَّة ببرلين، وعاد إلى مصرليقوم بالتدريس في دار العلوم، وهو أوَّل من ألف باللغة العربيَّة في فن التربيَّة العلمي والعملي
( له كتاب البيداجوجيا Pedagogy ) أي علم أصول التدريس في جُزأين وهو أول من ألف في تاريخ آداب اللغة العربية.
ومن خريجيها محمد شريف سليم سنة 1888م ثم سافر للدِّراسة بفرنسا، واشتغل بالتدريس عقب عودته في دار العلوم في الفترة 1885 / 1898م، جيث  قام بتدريس التربية وعلم النفس، وهو أوَّل مَن وضَع كتابًا في
"علم النفس" باللغة العربيَّة
عبدالرحيم أحمد بك، الذي تخرَّج في دار العلوم سنة 1883م ومن بين أعماله العديدة: تأسيس لجنة تأليف الكتب العربية
(مكونة من 31 عضوًا منهم 27 عضوًا من أبناء دار العلوم) قامَتْ بطبع ونشر عدَّة كتب مدرسيَّة، من أهمِّها كتاب "أطلس الجغرافيا"؛ للشيخ محمد فخر الدين بك، أوَّل مؤلَّف من نوعه بالعربيَّة، وكذلك كتاب في إمساك الدفاتر
أما محمد حسنين عبدالرازق خريج دار العلوم عام 1909م وسافر للدراسة بإنجلترا، ثم عاد للتَّدريس بدار العلوم، واختارَه الملك فؤاد ليقوم بالتدريس لوَلِيِّ العهد حينئذٍ الملك فاروق، وله عدَّة مؤلَّفات في التربية وعِلم النفس وهو صاحب كتاب
"علم المنطق الحديث" الذي يُعَدُّ أوَّل كتاب باللغة العربيَّة يجمعُ بين عِلم المنطق القديم الذي وضَعَه أرسطو، وبين علم المنطق الحديث الذي وضَع أصوله فرنسيس بيكون
-----------------
يكادُ دور دار العلوم في تحديث كتبِ الفقه الإسلامي أن يُمثِّل اللَّبِنَةَ الأولى في تطوير هذا العلم إلى النحو الذي أصبح عليه الآن، سواء في الأزهر، أو في أقسام الشريعة بكليَّات الحقوق، ومن أعلام هذا المجال
(المغمورين حاليًّا) محمد زيد الإبياني، خريج دار العلوم سنة 1891م
كانت كتب الشريعة الإسلاميَّة، التي تُدرس لطلاب الفقه الإسلامي في مدرسة الحقوق هي الكتب المُتداوَلة في الأزهر وعلى الطريقة الأزهريَّة، وظهرت حركةٌ فكريَّة ترمي إلى التسهيل في تحصيل الأحكام الشرعيَّة الإسلاميَّة ووضعها وضعًا قانونيًّا على هيئة مَوادَّ، لعلَّها تكونُ يومًا ما القانون الشرعي الذي يجب أنْ يُعمَل به في مصر
وهو ما نُطلِقُ الآن عليه "تَقنِين الشريعة الإسلاميَّة "
كان محمد قدري باشا (المتوفي 1886م) قد وضع ثلاثة كتب، على نظام الكتب القانونيَّة هي"الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية"
. "قانون العدل والإنصاف في مشكلات الأوقاف" و "مرشد الحيران في المعاملات الشرعية" وبهذا كان قدري باشا أوَّل فاتح جديد في المؤلَّفات الفقهيَّة الإسلاميَّة بمصر
كان الأستاذ محمد زيد بك يقوم بتدريس الأحوال الشخصيَّة لطُلاب الحقوق من كتاب قدري باشا، وبدوره وضع شرحًا وافيًا لكتاب قدري باشا في ثلاثة مجلدات، وطبع لأوَّل مرَّة سنة 1904م وقد تلقَّاه الناس بلهفةٍ شديدة وشوقٍ عظيم؛ إذ وجدوا فيه ضالَّتهم المنشودة و قد تُرجِم هذا الشرح إلى اللغة الفرنسيَّة، ونال صاحبُه من أجله
 وسام جوقة الشرف الوطني  Légion d'honneur الفرنسي
-----------------
إنَّ الإسهام الحقيقي لدار العلوم لا يتمثَّل فقط في وضْع أساتذتها الأُوَلِ تلك اللَّبِنات الأساسيَّة في صَرْحِ العِلم الحديث بمصر، وإنما يبدأ من عمليَّة التعليم والتربية في المدارس الابتدائيَّة المنتشِرة في مراكز الوجهين القبلي والبحري و مَدارس المدن المتوسِّطة والكبرى، وهم جيشٍ كاملٍ من الجنود المجهولين، الذين رقموا الصفحة الأولى في عقل مصر الحديثة
ومن هؤلاء الجنود المجهولين المرحوم فخر الدين محمد خريج دار العلوم سنة 1895م وكان هذا المدرس أستاذًا للعقَّاد، الذي كتب عنه فقرةً في مقالٍ بعنوان أساتذتي
) نُشِرَ بمجلة الهلال (أكتوبر1948 م يقول فيه:
"استفدت في مرحلة التعليم الابتدائي من اثنين، على اختلافي بينهما في طريقة الإفادة؛ فإنَّ أحدَهما قد أفادني وهو قاصدٌ، والآخَر قد أفادني عن غير قصدٍ منه، فحمدت العاقبة في الحالين: كان أحدهما الأستاذ الفاضل مدرس اللغة العربيَّة والتاريخ، الشيخ فخر الدين محمد، وكان الإنشاء صِيَغًا محفوظة في ذلك الحين؛ كخطب المنابر وكتب الدواوين، ولكنَّه كان يُبغِضُ الصِّيَغَ المحفوظة، ويَنحَى بالسُّخرية والتَّقريع على التلميذ الذي يعتمدُ عليها، ويمنحُ أحسن الدرجات لصاحِب الموضوع المبتَكَر، وأقل الدَّرجات لصاحب الموضوع المقتبَس من نماذج الكتب، وإنْ كان هذا أبلغَ من ذاك وأفضل منه في لفظه ومَعناه
وكان درسه في التاريخ درسًا في الوطنيَّة، فعرفنا تاريخ مصر، ونحن أحوَجُ ما نكون إلى شُعور الغيرة على الوطن، والاعتزاز بتاريخه؛ لأنَّ سُلطان الاحتلال الأجنبي كان قد بلَغ يومئذٍ غاية مَداه
"
-------------------
العمل الحقيقي الذي قام به أبناءُ دار العلوم؛ أنهم بجمعهم بين التربية وعلم النفس والتعليم، وتطبيقهم النظريَّات على تلاميذ المدارس في مصرقد حققوا نقلة كبرى في هذا المجال، لم يكن يعرفها الشعب ولا عُلَماؤه حتى ذلك الحِين
أما الشيخ طنطاوي جوهري خريج دار العلوم سنة 1893م وقد أصبح بعِلمه الواسع ومُؤلَّفاته أشهر شخصيَّة مصريَّة لدى الأجانب في أوروبا والمسلمين في آسيا، وقد تُرجِمت معظمُ مؤلفاته إلى اللغات الحيَّة، يقول عنه أحد تلاميذه:
 "... أمَّا في الطرق العامَّة فإنَّه يلقى أحدَ تلاميذه الذين يتوسَّم فيهم حبَّ الاطِّلاع، والتحرُّق إلى عِلمه وفَلسفته، وما أسرع ما يتأبَّط ذراعه فيسأله عن حاله، وعن عِلمه، وعمَّا قرأ من كتبه، وعمَّا يرى الناسُ فيه، بُسَطاؤهم وعُلَماؤهم، ثم لا يكاد يفرغ من هذه الأسئلة العاديَّة الأوَّليَّة، حتى ترى نفسك سائرًا بجوار سقراط يحاورك ويُسائلك، ويستفهم ويندهش فيدهشك معه، ممَّا رأى وما يرى، من العالم وسكانه وعَجائبه ومدهشاته، فتراك قطعت طريقك، أو انتهى طريقُه، فيصعُب عليكما أنْ تفترقا، فيقف هنيهة، ثم يُودِّعك بمثْل ما قابلك، داعيًا لك، مسرورًا بما رأى في وجهك، وما سمع من قصير عباراتك، تاركًا رنين صوتِه في أذنك وآثار أفكاره في قلبك
"
أي أن دار العلوم تجاوزت مجرَّد نشر التعليم، إلى إشاعة رُوح التربية والتعليم، وقدمت النموذج والقُدوة، والعلاقة الوطيدة بين الأستاذ والتلميذ، والخروج من أسْر المتون وجُدران المدارس، إلى استثارة العقل ومُعايَشة الطلاب في الواقع
ولعلَّ هذه الرُّوح هي التي دفعت عددًا من أبناء دار العلوم إلى ميدان الإصلاح الاجتماعي، وفي مقدمتهم عبدالعزيز جاويش
خرِّيج سنة 1897 م الذي أسَّس جماعة "المواساة الإسلامية"  بالأسكندرية عام 1910م بعد جِهادٍ طويلٍ في الصحافة، والسياسة وهي التي تولت إنشاء مستشفى المواساة الجامعي وغيره من المنشآت
-------------
يبرز دور دار العلوم كعملٍ تأسيسي لا غنى عنه، في الجامعة الأهليَّة عام1908 م كان لا بُدَّ لها من أساتذة ينهضون بتدريس الأدب العربي، والفلسفة الإسلاميَّة والشريعة الإسلاميَّة والتاريخ الإسلامي، وقد استعانت الجامعة بعددٍ من الأجانب ففشلوا فاستعانت بأساتذة دار العلوم للمشاركة في تدريس المواد العربيَّة والإسلاميَّة، التي يُحسِنون فِقهَها، ونقدَها، وتحليل نصوصها، والتمييز بين أساليبها
ودّرس حفني ناصف، ومحمد المهدي، وأحمد ضيف الأدب العربي ، ودرس سلطان محمد الفلسفة والأخلاق الإسلامية، ومحمد الخضري التاريخ الإسلامي، وغيرهم وكانوا رواداً  للخطوات الأولى في مَسِيرة الدِّراسات الجامعيَّة
وعندما تحوَّلت الجامعة الأهليَّة إلى حُكوميَّة سنة 1925، وضمَّت لها كليَّة الحقوق، استعانَتْ هذه الكليَّة بعددٍ من أعلام دار العلوم في مجال الدراسات الشرعية، ومنهم أحمد أبو الفتح، ومحمد زين، وأحمد إبراهيم
أمَّا كليَّة الآداب فقد استعانت بطائفةٍ من أساتذة دار العلوم - ومنهم مَن درس في أوروبا - للمُشارَكة في مرحلة بنائها، ومنهم إبراهيم مصطفى، وطه إبراهيم، وأحمد الشايب، وعبدالوهاب حمودة، ومصطفى السقا، بجامعة فؤاد الأول (القاهرة)
 ومحمد خلف الله، وإبراهيم اللبان، وعبدالسلام هارون، في جامعة فاروق (الإسكندرية).
أي أنَّ دار العلوم أسهمت بدور رئيسٍي في تحديث التعليم على مستوى المدارس الابتدائيَّة والثانويَّة وعلى الجامعات المصريَّة وطلابها من المصريين والعرب وبالتالي في جامعات الوطن العربي( أساتذة دار العلوم)
--------------------
حاليا قام الأساتذة بوضع المؤلَّفات المناسبة للطلاب الجامعيين على أساس المنهج العلمي الحديث، حيث يجري عرضُ موضوعاتها بلغةٍ تتَّسم بالدِّقَّة والوُضوح، وتُناقش في إطار عقلي ومنطقي مُناسب
..وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر
كتب إبراهيم مصطفى: "إحياء النحو".وعباس حسن: "النحو الوافي".  وعلي النجدي: "تاريخ النحو".وعبدالعليم إبراهيم: "النحو الوظيفي".ومحمد عيد: "النحو المصفى"، و"أصول النحو العربي". ومحمد حماسة عبداللطيف: "النحو والدلالة".
وفي مجال علم اللغة الحديث:
كتب إبراهيم أنيس: "الأصوات اللغوية"، و"دلالة الألفاظ"، و"من أسرار اللغة".
وتمام حسان: "مناهج البحث في اللغة"، و"اللغة العربية: معناها ومبناها".
وكمال بشر: "الأصوات العربية"، و"علم اللغة الاجتماعي".
وعبدالصبور شاهين: "القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث"، و"العربية لغة العلوم والتقنية".
وأحمد مختار عمر: "البحث اللغوي عند العرب"، و"دراسة الصوت اللغوي".
والسعيد بدوي: "مستويات العربية المعاصرة".
وفي مجال تاريخ الأدب:
كتب عمر الدسوقي: "في الأدب الحديث"، و"المسرحية".
وأحمد الحوفي: "الوطنية في شعر شوقي".
وعلي الجندي: "شعر الحرب في العصر الجاهلي".
وأحمد هيكل: "الأدب الأندلسي".
وعبدالحكيم بلبع: "النثر الفني وأثر الجاحظ فيه".
والطاهر مكي: "مصادر الأدب"، "وامرؤ القيس".
وحمدي السكوت: "سلسلة أعلام الأدب الحديث في مصر".
ومحمد فتوح أحمد: "الرمزية في الشعر العربي المعاصر".
وعبداللطيف عبدالحليم: "شعراء ما بعد الديوان".
وفي مجال البلاغة والنَّقد الأدبي:
كتب أحمد بدوي: "أصول النقد العربي عند العرب".
وحفني شرف: "البلاغة العربية بين النظرية والتطبيق".
وبدوي طبانة: "معجم البلاغة العربية".
ومحمد غنيمي هلال: "النقد الأدبي الحديث"، و"الأدب المقارن".
وعبدالحكيم حسان: "النظرية الرومانتيكية في الشعر".
ومحمود الربيعي: "في نقد الشعر".
وعلي عشري: "استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر
وفي مجال الشريعة الإسلامية:
كتب علي حسب الله: "أصول التشريع الإسلامي".
ومصطفى زيد: "النسخ في القرآن الكريم".
ومحمد بلتاجي: "عمر بن الخطاب ومنهجه في التشريع".
ومحمد سراج: "النظام المالي في الفقه الإسلامي".
وأحمد يوسف: "الفقه الإسلامي".
ومحمد غنايم: "في التشريع الإسلامي".
وإسماعيل سالم: "البحث الفقهي".
وصلاح سلطان: "سلطة ولي الأمر".
وفي مجال الفلسفة الإسلامية:
كتب إبراهيم اللبان: "الفلسفة والمجتمع الإسلامي".
وأبو العلا العفيفي: "فلسفة محيي الدين بن عربي (بالإنجليزية)"، و"التصوف: الثورة الروحية في الإسلام".
وإبراهيم مدكور: "في الفلسفة الإسلامية: منهج وتطبيقه".
ومحمود قاسم: "نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها لدى توماس الأكويني"، بالإضافة إلى كتابه المهم: "المنطق الحديث ومناهج البحث".
ومحمد كمال جعفر: "التصوف: طريقًا وتجربة ومذهبًا".
وحسن شافعي: "المدخل إلى علم الكلام".
وحامد طاهر: "الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث".
وفي مجال التاريخ الإسلامي:
كتب محمد ضياء الدين الريس: "النظريات السياسية والإسلامية"، و"الخراج في الدولة الإسلاميَّة".
ومحمد حلمي أحمد: "الخلافة والدولة".
وأحمد شلبي: "موسوعة التاريخ الإسلامي"، و"موسوعة الحضارة الإسلامية".
وعلي حبيبة: "عصر الرسالة"، و"خلافة الراشدين"، و"المسلمون والصليبيون".
---------------------
وإلى جانب وضع المؤلَّفات الحديثة في شتَّى المجالات العربيَّة والإسلاميَّة قام أساتذةُ دار العلوم وخِرِّيجوها بالإسهام الرئيسي في ميدانَيْن مُهمَّيْن هما: تحقيق التراث، والترجمة من اللغات الأجنبية.
أمَّا في ميدان تحقيق التراث: فقد كان لجهود أبناء دار العلوم أثرٌ واضحٌ في إصدار عددٍ كبيرٍ من أمَّهات التراث العربي والإسلامي إصدارًا عِلميًّا حديثًا، يعتمدُ على مُقابلة النُّسَخِ المخطوطة، وتخريج ما بها من نُقول، مع التعريف بأعلامها، وأماكنها، وشرح غامِضِها، ووضع الفهارس الكاشفة لها، ومن أهمِّ النماذج التي تمَّت في هذا الصدد:
تحقيق "مقدمة ابن خلدون" لعلي عبدالواحد وافي.
و"الحيوان"، و"البيان والتبين"، و"الرسائل"؛ للجاحظ، لعبدالسلام هارون.
و"ديوان طرفة بن العبد"؛ لعلي الجندي.
وكتاب "المحتسب"؛ لابن جني الذي حقَّقه علي النجدي.
و"طبقات الشافعية" الذي حققه كلٌّ من محمود الطناحي، وعبدالفتاح الحلو.
و"مناهج الأدلَّة"؛ لابن رشد الذي حقَّقه محمود قاسم.
و"فصوص الحكم"؛ لابن عربي الذي حقَّقه وشرحه أبو العلا عفيفي.
و"اللمع"؛ لابن جني الذي حقَّقه حسين شرف.
و"ديوان الشماخ"، و"اشتقاق الأسماء" اللذين حقَّقهما صلاح الدين الهادي.
و"غاية المرام في علم الكلام"؛ للآمدي الذي حقَّقه حسن الشافعي.
و"تفسير مقاتل بن سليمان"، الذي حقَّقَه عبدالله شحاتة...
ويمكن أنْ تطول هذه القائمة لو ذهبنا نتتبَّع ما قام به أبناء دار العلوم في ميدان تحقيق المخطوطات، ونكتفي بالإشارة إلى أنَّ عددًا من الأسماء التي تخصَّص أصحابُها في هذا الميدان قد حقَّقت سمعةً عالميَّة، وفي مقدمتهم: عبدالسلام هارون، وإبراهيم الأبياري
--------------------
وأمَّا في ميدان الترجمة: فإنَّ أبناء دار العلوم كانوا من أوائل مَن استشعر أهميَّة نقل العلم الغربي الحديث إلى مصر والعالم العربي، ونظرًا لتمكُّنهم في اللغة العربيَّة، ولحسن اختيارهم من اللغات الأجنبيَّة التي أجادوها، استطاعوا أنْ ينقلوا إلى اللغة العربيَّة عددًا من أهمِّ المؤلَّفات الغربيَّة؛ سواء في العلوم التي كانت تُعتَبر حديثة تمامًا على العالم العربي في ذلك الوقت، كالتربية وعلم النفس، أو الدراسات الحديثة التي كان المستشرقون يقومون بها حول الإسلام والمسلمين
ومن أهمِّ النماذج في هذا الصدد:
كتاب "كيف يعمل العقل" الذي ترجمه محمد خلف الله أحمد
و"الذوق الأدبي"؛ لبنيت، ترجمة علي الجندي.
و"التطور الخالق"؛ لبرجسون، و"قواعد المنهج في علم الاجتماع"؛ لدور كايم اللَّذَيْن ترجمهما محمود قاسم.
و"الفكر العربي ومكانه في التاريخ" ترجمة تمام حسان.
و"دور الكلمة في اللغة" ترجمة كمال بشر
و"دستور الأخلاق في القرآن"؛ لدراز، ترجمة عبدالصبور شاهين
و"أسس علم اللغة" ترجمة أحمد مختار
و"ملحمة السيد" ترجمة الطاهر مكي.
و"بناء لغة الشعر" ترجمة أحمد درويش.
و"المنهج التجريبي: تاريخه ومستقبله" ترجمة حامد طاهر
و"تاريخ التشريع الإسلامي" ترجمة محمد سراج.
و"تطوُّر الفكر الفلسفي في إيران"؛ لمحمد إقبال، ترجمة حسن الشافعي.
ومن الجدير بالملاحظة هنا أنَّ دورَ دارِ العلوم في حركة الترجمة يستحقُّ دِراسةً مستقلَّة، تُحصِي ما قام به أبناؤها من أعمالٍ، وتُبيِّن صحَّة اختيارهم لها، كما توضح طريقتَهم الخاصَّة في الترجمة، والجهد الذي بذَلُوه في تعريب المصطلحات الأجنبيَّة، ثم إلى أيِّ حدٍّ بلغ تأثيرهم في المترجمين الذين ساروا على خُطاهم.
-------------------------
لكنَّ التعليم الجامعي وما تطلَّبه من إعداد مادَّةٍ تعليميَّةٍ (مُؤلَّفة أو مُحقَّقة أو مُترجَمة) لم يكن هو مجال التأصيل الوحيد الذي قامَتْ به دار العلوم في مجال النهضة، فقد قدَّمت دار العلوم عددًا من كبار الأُدَباء والشُّعَراء الذين ازدهرت بهم الحياةُ الأدبيَّة في مصر الحديثة والمعاصِرة، ويكفي أنْ نذكُر من شُعَرائها في الجيل الماضي: علي الجارم، د. أحمد هيكل  ،ومحمد عبدالمطلب، وعبدالله عفيفي، ومحمود غنيم، والعوضي الوكيل، وعلي الجندي، وطاهر أبو فاشا، ومحمود حسن إسماعيل، ومن شعراء الجيل التالي: هاشم الرفاعي، ومحمد الفيتوري، وأنس داود، وفاروق شوشة، وحامد طاهر، وعبداللطيف عبدالحليم وغيرهم كثيرون
الشاعر المهندس إيهاب البشبيشي يقول "كان تخرجي الحقيقي من على رصيف دار العلوم" حيث كانت كلية دار العلوم والرصيف المواجه لها هو قبلة شعراء الجامعة ومحبي الشعر من مختلف الكليات الأخرى.
 وفي مجال الرواية والقصَّة القصيرة تبرز أسماء محمد عبدالحليم عبدالله، وأبو المعاطي أبو النجا، ومحمود عوض عبدالعال، وحسن البنداري
---------------------
وفي مجال المجامع العلمية يظهر دور دار العلوم في واحد من أهمها على الإطلاق، وهو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الذي كان من بين رؤسائه: الدكتور إبراهيم مدكور (خريج دار العلوم سنة 1927م)، وفي خِلال تاريخ هذا المجمع، ضَمَّ إلى عُضويَّته أكثر من ثلاثين عُضوًا من خِرِّيجي دار العلوم، وما زال الكثير منهم يعمَلُ بكفاءةٍ في مختلف لجانِه، التي تختصُّ بوضع المعاجم، وتطوير أساليب اللغة العربيَّة
ومن حقِّنا الآن أنْ نتساءل: هل كان علي مبارك يتوقَّع لدار العلوم حين أنشَأَها أنْ تقوم بهذه الأدوار المتعدِّدة في مجال النهضة؟
الواقع أنَّ دار العلوم أشبه بكرة الثلج - على حسَب التعبير الغربي - التي تضخَّمت بالحركة، وزاد حجمُها ووزنها مع مُرور الزمن.
ولعلَّنا قد أوضَحْنا الآنَ - من خِلال إشارات سَريعة وخاطفة - حاجةَ هذا الدور أو الأدوار إلى دراسة تفصيليَّة لكي تضعَ دار العلوم في مَكانها الحقيقي، وتعيدَ لها أهليَّتها في إطار المجتمع المصري المعاصر، وفي هذا المجال تمتْ بعض الدِّراسات ولكنَّها قليلة جدًّا.
أمَّا إذا حاولنا أنْ نضع أيدينا على أهم عَوامِل نجاح دار العلوم في تأدية دورها عبر مَسِيرتها الماضية، أمكننا أنْ نتبيَّن ثلاثة عوامل رئيسة:
أولاً: المنهج الذي رُوعِي فيه أنْ يضمَّ العلوم اللغويَّة والأدبيَّة إلى جانب العلوم الإسلاميَّة، بالإضافة لبعض العلوم الحديثة كالتربية وعلم النفس، ويُلاحَظ أنَّ هذا المنهج يمتازُ بالتنوُّع والتكامُل في نفس الوقت.
ثانيًا: اختيار الطلاب من أفضل طلاب الأزهر عن طريق امتحان مسابقة يُراعَى فيها هيئةُ الطالب، وسلامةُ نُطقِه، وسعةُ أُفُقِه، بالإضافة طبعًا إلى معلوماته التي لم يكن ينقصها إلا قدرٌ من التصنيف، واللَّمسة العصريَّة التي تتميَّز بها دار العُلوم.
ثالثًا: اتِّباع سياسة حكيمة خاصَّة بالأساتذة تعملُ على إرسال مَبعُوثين من أبناء دار العلوم المتفوِّقين إلى جامعات أوروبا (إنجلترا، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا)؛ لكي يطَّلعوا على الثقافة الغربيَّة، ويتزوَّدوا بالمنهج العلمي الحديث، وبذلك كانت تتمُّ عمليَّة "تطعيم" فريدة من نوعها، بين ما هو موجودٌ في التُّراث العربي والإسلامي، وأحدَثِ النظريَّات القائمة في العالم الحديث والمعاصر، لدى أساتذةِ دار العلوم العائدين من البعثات الغربيَّة
بهذه العناصر الثلاثة المتَّصلة بالمنهج والطلاب والأساتذة، نجحَتْ دار العلوم في أداء رِسالتها طوال القرن العِشرين، واستطاعت أنْ تُكوِّن لنفسها شخصيَّةً ذات معالم متميِّزة
-------------
والسؤال الآن: هل ما زالت دار العلوم قادرةً على مُواصَلة مَسِيرتها بنفس الكَفاءة؟
الواقع أنها تسعَى بكلِّ طاقتها، ولكنَّ إمكانيَّاتها قليلة، والظُّروف التي تعملُ فيها صَعبة، فمَناهجها بحاجةٍ إلى تطوير، شأن كلِّ شيءٍ في الحياة، خاصَّةً وأنَّه قد مضى عليها الآن أكثر من ستين عامًا دون مساس، وطلابها بحاجةٍ إلى اختيارٍ دقيق، كما يتمُّ في أقسام اللغة الإنجليزيَّة أو الإسبانيَّة، بل كما اشترط ذلك علي مبارك نفسه، فإنَّ مدرس اللغة العربية ينبغي أنْ يَختار مهنته تلك بالتطوُّع، ولا ينبغي أنْ تُفرَض عليه بالتجنيد، أمَّا أساتذة دار العلوم فهم بحاجةٍ إلى مَزِيدٍ من الاتِّصال بالعالم الخارجي، وأقصدُ بالعالم الخارجي الأوساط العلميَّة والثقافيَّة في أوروبا وأمريكا، وفي مقدمتها الجامعات ومَراكز البحث، والمؤتمرات العلميَّة التي تعرضُ فيها أحدث ما توصَّل إليه الدارسون في مجال الدِّراسات العربيَّة والإسلاميَّة
وتبقى في النهاية كلمةٌ مختصرة وهي: إنَّ دار العلوم ليست مجرَّد كليَّة جامعيَّة، تستقبل أفواجًا من الطلاب لتخرجهم بعد أربع سنوات إلى ميدان العمل، وإنما هي اتِّجاه واضحُ المعالم، ومن أهمِّ خَصائص هذا الاتجاه: التمسُّك بالتراث، بينما ينفلت الآخَرون تمامًا إلى الحداثة، والإفادة المتَّزِنة من التحديث دُون انغلاقٍ تام على تراث الماضي، وهكذا فإنها تمضي وسط الوادي كما يسيرُ نهر النيل.. بطيئا، ولكنَّه مُتجدِّد
--------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق