تولى علي مبارك نظارة
المهندسخانة خلفا لشارل لامبير حتى أغلقها عباس الأول عام 1854م و بدأ فيها أولى
خطواته في تعريب العلوم الهندسية والعلوم الطبيعية المتصلة بها (كالرياضيات
والفيزيقيا ) وقرر تأليف الكتب المدرسية باللغة العربية، حتى أصبحت كل العلوم
الهندسية والعسكرية تدرس بالعربية، وأنشأ مطبعة خاصة لمدرسة المهندسخانة طبع فيها
أكثر من ستين ألف نسخة من هذه الكتب.
( لكن في عام 1880م تراجع علي مبارك وجعل التدريس في المدارس بالفرنسية أو
الإنجليزية حتى التاريخ والجغرافيا )
لقد سافر علي مبارك إلى فرنسا في عهد محمد على باشا وعاد في عهد عباس الأول، كان
عهد عباس هذا عهد انكماش في التعليم؛ إذ لم يكن يرضى عن الحركة العلمية في البلاد
بل كان همه بناء القصور لا فتح المدارس، بل ولا الاحتفاظ بالموجود فألغى الكثير
منها، وكان أميل إلى تعليم أولاد الأتراك دون المصريين، فعهد إلى علي مبارك في
إدارة البقية الباقية القليلة من المدارس.
وبعد عودته إلى مصر عمل بالتدريس، ثم التحق بحاشية عباس الأول مع اثنين من زملائه
في البعثة، وأشرف معهما على امتحان المهندسين، وصيانة القناطر الخيرية، ويقوم
معهما بما يكلفون به من أعمال الهندسة، حتى أحيل عليهم مشروع “لامبير بك” الذي
كُلّف بإعداد خطة لإعادة تنظيم ديوان المدارس وتخفيض أعباء الإنفاق، فعرض على عباس
الأول مشروعًا لتنظيم المدارس تبلغ ميزانيته مائة ألف جنيه، فاستكثر عباس الأول
المبلغ، وأحال المشروع إلى علي مبارك وزميليه، وكلفهم بوضع مشروع أقل نفقة.
أدرك علي مبارك هدف عباس، فوضع مشروعًا لإعادة تنظيم المدارس تبلغ ميزانيته خمسة
آلاف جنيه، وتقدم به هو وزميلاه إلى عباس الأول الذي استحسنه لأنه يتماشى مع هواه
في تخفيض الإنفاق، وكلف علي مبارك بنظارة المدارس ( ديوان المدارس) وتنفيذ المشروع
والإشراف عليه، ومنحه رتبه “أميرلاي”، وكان مشروعه يقوم على تجميع المدارس كلها في
مكان واحد وتحت إدارة ناظر واحد، وإلغاء مدرسة الرصدخانة لعدم وجود من يقوم بها حق
القيام من أبناء الوطن، وإرجاء فتحها حتى تعود البعثة التي اقترح إرسالها إلى
أوروبا فتديرها
وبعد أن تولى إدارة ديوان المدارس أعاد ترتيبها وفق مشروعه، وعين المدرسين، ورتّب
الدروس، واختار الكتب، واشترك مع عدد من الأساتذة في تأليف بعض الكتب المدرسية،
وأنشأ لطبعها مطبعتين، وباشر بنفسه رعاية شئون الطلاب من مأكل وملبس ومسكن، وأسهم
بالتدريس في بعض المواد، واهتم بتعليم اللغة الفرنسية حتى أجادها الخريجون
-------------
توالت على «علي مبارك» أيام بؤس وأيام نعيم، وكانت حالة في مصر غير مستقرة، وكل
الموظفين وخاصة كبارهم رهن بإشارة الحاكم ورهن بما يحاك حوله من دسائس، فيومًا
يرضى فيرفع إلى السماء، ويومًا يغضب فينزله إلى الحضيض
والبيت الحاكم منشق على نفسه. إذا تقرب أحد إلى بعضه غضب عليه بعضه الآخر
كان محمد علي باشا و ولده إبراهيم باشا راضيين عن الشيخ رفاعة الطهطاوي أما عباس
فغضب عليه وأخرجه من إدارة مدرسة الألسن وعينه ناظرًا لمدرسة ابتدائية تنشأ في
الخرطوم
ويرضى عباس الأول عن علي مبارك ويقربه
إليه، ويعهد إليه في تنفيذ أمور كثيرة
فإذا جاء سعيد باشا غضب على علي مبارك
وأرسله الى حرب القرم وأعاد الشيخ رفاعة الطهطاوي
وقربه إليه
في حرب القرم
ظل علي مبارك قائمًا على ديوان المدارس حتى تولى “سعيد” باشا الحكم في (20 من شوال
1270هـ/ 16 من يوليو 1854م) فعزله عن منصبه وعن نظارة مدرسة المهندسخانة بفعل
الوشاة، وألحقه بالقوات المصرية التي تشارك مع الدولة العثمانية في حربها ضد
روسيا، وقد انتهت هذه الحرب المعروفة بـ”حرب القرم” بانتصار العثمانيين
وقد استغرقت مهمته سنتين ونصف سنة، أقام منها في إستانبول أربعة أشهر، تعلم في
أثنائها اللغة التركية، ثم ذهب إلى منطقة القرم وأمضى هناك عشرة أشهر، واشترك في
المفاوضات التي جرت بين الروس والدولة العثمانية، ثم ذهب إلى بلاد الأناضول حيث
أقام ثمانية أشهر يشرف على الشئون الإدارية للقوات العثمانية المحاربة، وينظم
تحركاتها، وأقام مستشفى عسكري بالجهود الذاتية لعلاج الأمراض التي تفشت بين
الجنود، لسوء الأحوال الجوية والمعيشية
وبعد عودته إلى القاهرة فوجئ بأن “سعيد” باشا سرح الجنود العائدين من الميدان،
وفصل كثيرًا من الضباط، وكان علي مبارك واحدًا ممن شملهم قرار إنهاء الخدمة
و فكر في الأعمال الحرة، فاشتغل تاجرًا أحيانًا، يشتري من «المزاد» بعض السلع
المدرسية التي تبيعها الحكومة بعد أن قللت من مدارسها ويبيعها بربح يكفل له رزقه،
ويشتغل أحيانًا مهندسًا حرًا، يضع "تصميمات" منازل لمن شاء، وصمم
أحيانًا على أن يعود إلى أهله في برنبال يعمل عمل الفلاحين ويعيش معيشتهم وعلى
الله العوض فيما تعلم
------------------------
من نظارة المعارف إلى معلم لمحو الأمية
عاد علي مبارك إلى الخدمة بديوان الجهادية، وتقلّب في عدة وظائف مدنية، ولا يكاد
يستقر في وظيفة حتى يفاجأ بقرار الفصل والإبعاد دون سبب أو جريرة، ثم التحق بمعية
سعيد دون عمل يتناسب مع قدرته وكفاءته، حتى إذا طلب سعيد من “أدهم باشا” الإشراف
على تعليم الضباط وصفّ الضباط القراءة والكتابة والحساب، احتاج أدهم باشا إلى
معلمين للقيام بهذه الوظيفة، وسأل علي مبارك أن يرشح له من يعرف من المعلمين
الصالحين لهذا المشروع، فإذا بعلي مبارك يرشح نفسه لهذا العمل، وظنّ أدهم باشا أن
علي مبارك يمزح!! فكيف يقبل من تولّى نظارة ديوان المدارس أن يعمل معلمًا للقراءة
والكتابة؟! لكن علي مبارك كان جادًا في استجابته، وعزز رغبته بقوله له :
“وكيف لا أرغب انتهاز فرصة تعليم أبناء الوطن، وبث فوائد العلوم؟! فقد كنا مبتدئين
نتعلم الهجاء، ثم وصلنا إلى ما وصلنا إليه”
ولما عرض أدهم باشا الأمر على سعيد أسند الإشراف على المشروع لعلي مبارك، فكون
فريق العمل، ووضع المناهج الدراسية وطريقة التعليم، واستخدم كل وسيلة تمكنه من
تحقيق الهدف
فكان يعلّم في الخيام، ويتخذ من الأرض
والبلاط أماكن للكتابة، ويكتب بالفحم على البلاط، أو يخط في التراب، فلما تخرجت
منهم دفعة، اختار من نجبائهم من يقوم بالتدريس
ثم أدخل في برنامج التدريس مادة الهندسة،
ولجأ إلى أبسط الوسائل التعليمية كالعصا والحبل لتعليم قواعد الهندسة، يجري ذلك
على الأرض حتى يثبت في أذهانهم، وألّف لهم كتابًا سماه “تقريب الهندسة”.. وهكذا
حول هذا المعلم المقتدر مشروع محو الأمية إلى ما يقرب من كلية حربية
وما كادت أحواله تتحسن وحماسه للعمل يزداد حتى فاجأه سعيد باشا بقرار فصل غير
مسئول في (ذي القعدة 1278هـ / مايو 1862م).
الخميس، 18 يونيو 2026
التراجع عن التعريب
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق