تولى الخديوي إسماعيل
الحكم في (27 من رجب 1279هـ/ 18 من يناير 1863م )
كان الأجانب يقولون عن القاهرة: «خير لك أن تسمع عن القاهرة من أن تراها»
فعزم إسماعيل على بناء عاصمة جديدة وزادت قوة العزم عقب زيارته لمدينة باريس
وكان قد زامل علي مبارك في بعثة الأنجال، فاستدعاه فور جلوسه
على عرش البلاد، وألحقه بحاشيته، وعهد إليه قيادة مشروعه المعماري العمراني،
بإعادة تنظيم القاهرة على نمط حديث: بشق الشوارع الواسعة، وإنشاء الميادين، وإقامة
المباني والعمائر العثمانية الجديدة، وإمداد القاهرة بالمياه وإضاءتها بالغاز، ولا
يزال هذا التخطيط باقيًا حتى الآن في وسط القاهرة، شاهدا على براعة علي مبارك وحسن
تخطيطه
أزال «مبارك» الخرائب التى كانت تستقبل الزائرين عند كل مداخل القاهرة،
واستعمل أتربتها فى ردم البرك والمستنقعات . كما أصلح مدخل القاهرة الزراعى «طريق
شبرا الرئيسي» ومدخلها الصحراوى من طريق الأهرام حيث أقام الطريق الواصل للأهرامات
ورصفه، وزرع الأشجار على جانبيه وأنشا كوبرى قصر النيل و شق ترعة الإسماعيلية
والإبراهيمية ومبانى البريد والسكك الحديدية.
وتم ذلك فى خمس سنوات فقط لتتحول القاهرة إلى باريس الشرق.
كان عمل علي مبارك فيما اختص به من هندسة
مدنية وحربية، فقد عهد إليه بتصميم ترع وإنشائها، وبناء جسور واستحكامات ومساجد
وغير ذلك من أعمال هندسية عظيمة
وهو صاحب فكرة النمط القياسي التي كان حريصا على أن يجعلها بمثابة فلسفته
المعمارية في المباني العامة، وقد استخدمها بالفعل في إنشاء محطات السكك الحديدية
عندما تولى أمرها، فجعل كل المحطات على نسق معماري واحد في كل البلاد بحيث تؤدي
الخدمات على خير وجه، مع اختلاف أحجامها في المدن الكبيرة أو الصغيرة
وأسند إليه إلى جانب ذلك نظارة القناطر الخيرية ليحل مشكلاتها، فنجح في ذلك وتدفقت
المياه إلى فرع النيل الشرقي لتحيي أرضه وزراعاته، فكافأه الخديوي ومنحه 300 فدان
ثم عهد الخديوي إليه بتمثيل مصر في النزاع
الذي اشتعل بين الحكومة المصرية وشركة قناة السويس والخاص بتحديد الأراضي الممنوحة
للشركة فنجح في فض النزاع؛ الأمر الذي
استحق عليه أن يُكّرم من العاهلين: المصري والفرنسي
كان يغلب على علي مبارك التعاون مع الجانب
الفرنسي
( بالطبع فشل في حل الخلاف فقد حكم نابليون الثالث على مصر بدفع التعويضات التي
أضاعت قناة السويس)
ثم أصدر الخديوي قرارًا في (13 من جمادى الآخرة 1283هـ/ 23 من أكتوبر 1866م)
بتعيينه وكيلا عامًا لديوان المدارس، مع بقائه ناظرًا على القناطر الخيرية، وفي
أثناء ذلك أصدر لائحة لإصلاح التعليم عُرفت بلائحة رجب سنة (1284هـ/ 1868م)
ثم ضم إليه الخديوي ديوان الأشغال العمومية، وإدارة السكك الحديدية، ونظارة عموم الأوقاف،
والإشراف على الاحتفال بافتتاح قناة السويس وهو( الإحتفال الإسطوري الذي استمر 5
أيام من أموال القروض )
----------------
كان عهد إسماعيل أخصب فترات علي باشا مبارك وأكثرها إنتاجًا وإسماعيل هو
الذي منح علي مبارك رتبة الباشاوية
ومع ظهور الوزارات كمؤسسات هامة في حكم البلاد سنة (1295هـ/ 1878م) تولى علي مبارك
ثلاث وزارات: اثنتين منها بالأصالة، هما الأوقاف والمعارف، والثالثة هي الأشغال
العمومية
(ولم يتم ذلك من دون أن ينغمس في وحل الأوساط الخديوية كما يقول أنور لوقا)
وكان سر عظمة علي مبارك هو إصلاحه للتعليم في مصر بالوسائل المختلفة،
وبناؤه في ذلك بناء ضخمًا يعد دعامة النهضة التعليمية في مصر ( لقد أريد له أن
يهندس المباني والاستحكامات فهندس هو طرق التربية والتعليم، ووضع تصميماتها، ووقف
على تنفيذها في دقة وأحكام، حتى عد من كبار المصلحين )
إصلاح التعليم
من خلال إصلاح الكتاتيب وإصلاح المعلمين
كان التعليم المدني الذي أنشأه محمد علي في مصر تعليم أساسه الجيش:
فالمدارس الحربية لتخريج الضباط، ومدرسة الطب لأطباء الجيش، والهندسة لتصميماته،
والمدارس الصناعية لإمداده، والبعثات لسد حاجات، فإن جاءت من كل ذلك فائدة لغير الجيش،
فبالتبع لا بالقصد، حتى أن المدارس كانت ثكنات عسكرية في نظامها ومأكلها وملبسها،
ورتب المعلمين والنظار والمديرين رتب عسكرية، فملازم وصاغ وأميرالاي وميرمران إلخ
حتى الطلبة في البعثة في باريس لهم بيت
يقيمون فيه يدار إدارة عسكرية، كل أنواع التعليم على هذا الوجه في القاهرة
والإسكندرية فقط، أما المدن الأخرى والأرياف فليس لها حظ من هذا التعليم
وبجانب هذا التعليم تعليم آخر يبتدئ
بالكتاب، وهو منتشر في القاهرة والمدن والقرى وينتهي بالأزهر، وهذا التعليم لا
تعني به الحكومة ولا تتدخل فيه ولا يهمها أمره، وكل ما فعله عباس الأول وسعيد أن
ضيقا التعليم المدني، حتى إذا جاء إسماعيل بدأ يتغير هذا النظام وينظر إلى التعليم
نظرة أخرى غير النظرة الحربية، وكان من أكبر العاملين على هذا علي مبارك — فلو
قلنا إنه حول التعليم من وجهة حربية إلى ثقافة شعبية، كان ذلك وصفًا مجملًا صادقًا.
كانت الكتاتيب هي عماد تعليم الشعب في المدن والقرى ومعظمها في حالة يرثى لها من
جميع النواحي وفقيه الكتاب غالباً أعمى لا يحسن رعاية تلاميذه وكل همه تحفيظ
القرآن بدون فهم ولا علم بالدنيا أو بالدين، و التأديب بـ السباب والضرب
------------
حذا علي باشا مبارك حذو فرنسا في توحيد المناهج الدراسية بمقتضى قانون 1867م وأقر
مستويات التعليم الثلاث (إبتدائي وثانوي وعالي )
ثم إلتفت إلى الأزهر وهو الذي درس العلوم
الحديثة ومع أنه كان مقتنعاً بإستحالة إدخال مواد دنيوية في مناهج تلك الجامعة
الجليلة إلا أنه نجح في توجيه الطلاب أنفسهم نحو أفكار جديدة ولكن في دار العلوم
التي أسسها بإعتبارها مدرسة للمعلمين وكانت ذكرى دراسته المباشرة للغة الفرنسية في
كتب التاريخ والجغرافيا هي التي أملت عليه
عام 1880م القرار بأن تُدرس بالفرنسية أو الإنجليزية مواد كانت تُعطى حتى ذلك التاريخ باللغة
العربية في المدارس الحكومية ، وعلى يد مدرسي اللغة الأجنبية أنفسهم
ويوضح في تقريره بأنه بهذه الطريقة فإن دروس التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية
إضافة إلى فقه اللغة في حد ذاته ستكمله مانحة إياه موضوعات تدريبية ممتازة
بدأ علي مبارك في عهد الخديوي إسماعيل بإدخال الكتاتيب تحت الإشراف الحكومي وأرسل
من يحصي كل كتاتيب القطر ويصف حالة كل كتاب من صلاحية أوعدم صلاحية المبنى وعدد
تلاميذه وحالة فقيهه وتبعيته لأوقاف أولًا ونحو ذلك، وقسمها بحسب ذلك إلى ثلاث
درجات: جيدة ومتوسطة ورديئة، ووضع لها «لائحة» تسمى "لائحة رجب 1275هـ / اكتوبر
1868م" وكانت أول مشروع فكري يهدف إلى نشر الكتاتيب في مصر وزيادة عدد
المدارس الابتدائية، عالج فيها كل المشاكل التي صادفته من مراعاة الأمور الصحية
وتدبير المال اللازم لرفع مستوى الفقهاء و سماهم «المؤدبين» وبرامج التعليم ووسائل تشجيعه وإشراف الأهالي
والمديريات في حمل بعض الأعباء المالية والتعليمية وتحويل بعض الكتاتيب الكبيرة
الصالحة إلى مدارس ابتدائية، ووجه في تنفيذ ذلك كل قواه، وكثيرًا ما كان يعهد إليه
إدارة الأشغال وإدارة الأوقاف، فيكون ناظر هذه جميعها (وزيرها) فيسخر الأشغال
لإصلاح مباني المدارس والكتاتيب، ويصرف من مال الأوقاف على التعليم، حتى انتقل
التعليم به نقلة جديدة.
كانت البلاد تتوق إلى إصلاح التعليم، وقد طالب به مجلس الشورى، وكان يوافق هوى
الخديوي إسماعيل في تمدين البلاد، وتمكن علي مبارك من تحويل الأفكار الخيالية إلى
حقائق واقعية، ويدرسها دراسة علمية، ويضع خططها كما تعود ذلك في التصميم الهندسي
ومن أعظم ما قام به علي مبارك، ولا يزال أثره باقيًا حتى الآن،
هو إنشاؤه “دار العلوم” ذلك المعهد الذي لا يزال يمد المدارس بصفوة معلمي اللغة
العربية
أخذ للمدرسة خيرة طلبة الأزهر بامتحان، و خيرة العلماء من الأزهر وغيره،
ويعلم طلبتها العلوم الدينية واللغوية وشيئًا من علوم الدنيا كالرياضة والجغرافيا
والتاريخ والطبيعية والكيمياء، أما معلمو المواد الأخرى كالهندسة والحساب واللغات،
فقد رأى أن يأخذهم ممن أتموا دروسهم في المدارس العالية كالمهندسخانة ومدرسة
المحاسبة والإدارة
كما أصدر مجلة “روضة المدارس” لإحياء الآداب العربية، ونشر
المعارف الحديثة.
هي مجلة ثقافية مصرية نصف شهرية صدر عددها الأول في 18 أبريل 1870م، وهي
بذلك تعد أقدم مجلات العالم العربي الثقافية العامة
أعتقد أن رفاعة الطهطاوي هو من أسس المجلة ورأس تحريرها ( تحت نظارة رفاعة بك
الطهطاوي ناظر قلم الترجمة بديوان المدارس، يباشر تحريرها رئيس التحرير علي فهمي
بك ( ابن رفاعة بك ) مدرس الإنشاء بمدرسة
الإدارة والألسن، طبعت بمطبعة جرنال وادي النيل وطُبع منها 350 نسخة وكان علي
مبارك من المحررين فيها
قام الخديوي إسماعيل بإنشاء دار الكتب "الكتبخانة
الخديوية المصرية" عام 1870م بعدما
طلب علي مبارك ذلك وقد كانت الكتب قبل ذلك متفرقة في المساجد أو
الأماكن المهجورة عرضة للسرقة أو التلف، فجمعها في مكان واحد ورتبها وسهل
الاستفادة منها وجعل لها قاعة مطالعة وجمع المخطوطات والكتب النفيسة التي
كان قد أوقفها السلاطين والأمراء والعلماء على المساجد والأضرحة والمدارس ليكون
ذلك نواة لمكتبة عامة على نمط دور الكتب الوطنية في أوربا في سراي الأمير مصطفى
فاضل باشا شقيق الخديوي إسماعيل) في حي درب الجماميز (سراي رقم 43 بشارع درب الجماميز
" بورسعيد حاليًّا " شمال مسجد الأمير بشتاك المعروف فيما بعدُ بمسجد
مصطفى فاضل باشا) وفي عام 1904م انتقلت المكتبة إلى مبنى أنشئ لها في ميدان باب
الخلق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق